القرآن حقّ نزل من عند حقّ ، لا يليق بصفات الخلق ، كل حرف منه على الخلق واجب ، لا يخرجهم منه إلا الوفاء للّه عز وجلّ ، فإذا سمعوه في الآخرة من قائله أطربهم . قيل له : فما بالهم يسمعون القصائد والأشعار والغناء فيطربون ؟ فقال : لأنها مما عملت أيديهم ، ولأنه كلام المحبين . قيل له : فما بالهم محرومون من أموال الناس ؟ فقال : لأن اللّه تعالى يرضى لهم ما في أيدي الناس ، لئلا يميلوا إلى الخلق ، فيقطعوا عن الحق تعالى ، فأفرد القصد منهم إليه ؛ اعتناء بهم « 1 » .
سئل الجنيد بن محمد قدّس اللّه سرّه عن الصوفية : من هم ؟ فقال : أثرة اللّه في خلقه ، يخفيها إذا أحب ، ويظهرها إذا أحب « 2 » .
وقال الجنيد : إذا أراد اللّه تعالى بالعبد خيرا أوقعه على الصوفية ومنعه صحبة القراء « 3 » .
وسئل الجنيد قدّس اللّه سرّه عن التصوف ما هو ؟ فقال : اجتناب كل خلق دنيّ ، واستعمال كل خلق سنيّ ، وأن تعمل للّه ، ثم لا ترى أنك عملت « 4 » .
قيل لبعض المتكلمين : قد ذكرت الطوائف ، وعارضتهم ، ولم تذكر الصوفية ! فقال : لم أعرف لهم علما ولا قولا ، ولا ما راموه ؟ قيل : بل هم السادة ، وذكروا له الجنيد ، ثم أتو الجنيد فسألوه عن التصوف ؟ فقال : هو إفراد القديم عن الحدث ، والخروج عن الوطن ، وقطع المحاب ، وترك ما علم أو جهل ، وأن يكون المرء زاهدا فيما عند اللّه ، راغبا فيما للّه عنده ، فإذا كان كذلك حظاه إلى كشف العلوم ، والعبارة عن الوجوه ، وعلم السرائر ، وفقه الأرواح . فقال المتكلم : هذا واللّه علم حسن ، فلو أعدته حتى نكتبه . قال : كلا ، مر إلى المكان الذي منه بدأ النسيان ، وذكر فصلا طويلا . فقال المتكلم : إن كان رجل يهدم ما يثبت بالعقل بكلمة من كلامه فهذا ؛ فإن كلامه لا يحتمل المعارضة « 5 » .
قال الجنيد : الصوفية أهل غيب ، لا يدخل فيهم غيرهم « 6 » .
هامش
( 1 ) انظر : طبقات الشعراني الكبرى ( 1 / 86 ) .
( 2 ) انظر : اللمع للطوسي ( ص 46 ) .
( 3 ) انظر : الرسالة للقشيري ( 2 / 436 ) .
( 4 ) انظر : اللمع ( ص 296 ) ، وطبقات الشافعية للسبكي ( 2 / 271 ) .
( 5 ) انظر : سير الذهبي ( 14 / 69 ) .
( 6 ) انظر : روح المعاني للآلوسي ( 10 / 105 ) .