تخرج كل ما عندك ، فلست آمن عليك أن تطالبك نفسك ، والنبي صلى اللّه عليه وسلّم كان إذا أراد أن يعمل عملا أثبته « 1 » .
جرى ذات يوم بين الجنيد وابن عطاء قدّس اللّه سرّهما حديث في هذه المسألة ( المفاضلة بين الغني والفقير ) ، فقدّم ابن عطاء الدليل على أن الأغنياء أفضل ؛ لأنهم يحاسبون في القيامة ، وإسماع الحساب يكون كلام اللّه بلا واسطة في محل العتاب ، والعتاب يكون من الحبيب للحبيب . فقال الجنيد : إذا كانوا يحاسبون ( الأغنياء ) فإنهم يعتذرون للفقراء ، والعذر أفضل من عتاب الحساب « 2 » .
قال الجنيد قدّس اللّه سرّه : علم الفقير إذا قوي ضعفت محبته ، وإذا ضعف قويت محبته ، وحكم الفقير أن يكون فوق محبته « 3 » .
قال الجنيد قدّس اللّه سرّه : جاء إبراهيم الصياد البغدادي يوما إلى السريّ السقطيّ وكان إزاره قطعة حصير ، فقال السقطي : هذا المال . وأمر أصحابه أن يشتروا له جبّة ، فقال إبراهيم : تقعد مع الفقراء ، وتدخر عشرة دراهم ، فما لبسها إبراهيم ، وامتنع من أخذها « 4 » .
سئل الجنيد قدّس اللّه سرّه أيهما أتم : الاستغناء باللّه تعالى أم الافتقار إلى اللّه عز وجلّ ؟
فقال : الافتقار إلى اللّه عز وجلّ موجب للغنى باللّه عز وجلّ ، فإذا صحّ الافتقار إلى اللّه عز وجلّ كما الغنى باللّه تعالى فلا يقال أيهما أتم ؟ لأنهما حالان لا يتم أحدهما إلا بتمام الآخر ، ومن صحح الافتقار صحح الغنى « 5 » .
كان الجنيد جالسا أيام الموسم وحوله جماعة كثيرون من العجم والمولدين ، فجاءه إنسان بخمسمائة دينار ، ووضعها بين يديه ، وقال : تفرّقها على هؤلاء الفقراء ، فقال الجنيد : ألك غيرها ؟ فقال : نعم ، لي دنانير كثيرة . فقال : أتريد غير ما تملك ؟ فقال : نعم .
فقال له الجنيد : خذها ؛ فإنك أحوج إليها منّا . ولم يقبلها « 6 » .
هامش
( 1 ) انظر : اللمع ( ص 274 ) .
( 2 ) انظر : كشف المحجوب ( ص 220 ) .
( 3 ) انظر : اللمع ( ص 231 ) .
( 4 ) انظر : طبقات الأولياء ( ص 25 ) .
( 5 ) انظر : الرسالة ( 2 / 539 ) ، واللمع ( 291 ) .
( 6 ) انظر : الرسالة ( 1 / 414 ) ، وطبقات الشعراني ( 1 / 85 ) .