لأنه يروى في الحديث : « من بثّ فقد شكا » .
ألم تسمع اللّه تعالى ، يقول :
وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ
[ آل عمران : 134 ] .
أفلا ترى : أنه كظم ما كره ، وشق على نفسه احتماله ، فصار صابرا ؟ فإذا أبدى الجزع وكافأ من أساء إليه ، ولم يعف عمن أساء إليه : خرج من حدّ الصبر على هذا القياس .
قلت : فبماذا يقوى الصابر على الصبر ، وبماذا يتم له ؟
قال : يروى في الحديث :
« إنّ الصبر على المكاره : من حسن اليقين » .
ويروى :
« إنّ الصبر : نصف الإيمان ، اليقين : الإيمان كله » « 1 » .
وذلك : أن العبد لما آمن باللّه تعالى ، وصدّق قوله في الذي وعده وتواعده ، قامت في قلبه الرغبة في ثواب اللّه تعالى ، الذي وعده ، ولزمت قلبه الخشية من عقاب اللّه الذي تواعده ، وصحت عند ذلك رغبته ، وقامت عزيمته في طلب النجاة مما يخافه ، وهاجت آماله في الظفر بالذي يرجوه ، فجدّ عنه ذلك في الطلب والهرب ، فسكن الخوف والرجاء قلبه ! فركب عند ذلك مطية الصبر ، وتجرّع مرارته عند نزوله ، ومضى في إنفاذ العزائم ، وحذر من نقصها ، فوقع عليه اسم الصبر .
هامش
( 1 ) أخرجه الزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 4 / 187 ، 9 / 5 ، 152 ، 211 ) ، والسيوطي في ( الدر المنثور 1 / 66 ) ، والمنذري في ( الترغيب والترهيب 4 / 277 ) ، وابن حجر في ( فتح الباري 10 / 512 ) ، وابن حجر في ( تفليق التعليق 18 ) ، والمتقي الهندي في ( كنز العمال 6498 ) والشهاب في ( المسند 158 ) ، والشجري في ( الأمالي 1 / 127 ، 2 / 194 ) ، والعراقي في ( المغني عن حمل الأسفار 1 / 231 ، 4 / 60 ) ، والخطيب البغدادي في ( تاريخ بغداد 13 / 226 ) ، وابن الجوزي في ( العلل المتناهية 2 / 331 ) ، والهيثمي في ( مجمع الزوائد 1 / 57 ) ، والألباني في ( السلسلة الضعيفة 499 ) .