باب الصدق في الإخلاص الثاني
وهو الذي أمر اللّه تعالى به ، حين يقول :
فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً
[ الكهف : 110 ] .
فمن شرح ذلك : أن يكون العبد يريد اللّه ، عزّ وجلّ ، بجميع أعماله وأفعاله ، وحركاته كلها ظاهرها وباطنها ، لا يريد بها إلا اللّه وحده ، قائما بعقله وعلمه على نفسه وقلبه ، راعيا لهمه ، قاصدا إلى اللّه تعالى ، بجميع أمره ، لا يحب مدح أحد ولا ثناءه ، ولا يفرح بعمله - إذا اطّلع عليه المخلوقون - فإن عارضه من ذلك شيء اتقاه بالسرعة والكراهية ، ولم يكن إليه ، لكن إذا أثنى عليه أحد ، حمد اللّه على ستره عليه حين وفّقه لخير رآه العباد عليه .
نعم ثم يخاف عند ذلك ، من عمله الرديء ، وسريرته القبيحة ، التي خفيت على الناس ولم تخف على اللّه ، فأشفق من ذلك ؛ وخاف أن تكون سريرته أقبح من علانيته .
فهكذا يروى في الحديث :
« السريرة إذا كانت أقبح من العلانية فذلك الجور ، فإذا استوت السريرة والعلانية فذلك العدل ، وإذا فضلت السريرة على العلانية فذلك الفضل » .
فالواجب على العبد : أن يخفي عمله جهده حتى لا يطلع عليه إلا اللّه تعالى ، فذلك أبلغ في رضا اللّه ، عزّ وجلّ ، وأعظم في تضعيف الثواب ، وأقرب إلى السلامة ؛ وأوهن لكيد العدو ، وأبعد من الآفات .
وروي عن سفيان الثوري « 1 » ، رحمه اللّه ، أنه قال : « ما أعبأ بما يظهر من عملي » .
هامش
( 1 ) سفيان الثوري ( 97 - 161 ه - 716 - 778 م ) .
سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري ، من بني ثور بن عبد مناة ، من مضر ، أبو عبد اللّه ، أمير المؤمنين في الحديث . كان سيد أهل زمانه في علوم الدين والتقوى . ولد ونشأ في الكوفة ، وراوده المنصور العباسي على أن يلي الحكم فأبى ، وخرج من الكوفة سنة 144 ه فسكن مكة والمدينة . ثم طلبه المهدي ، فتوارى وانتقل إلى البصرة فمات فيها مستخفيا . له من الكتب -