إنما يحسن التبذل في تحصيل أوفى الأغراض ، فذلك حسن التبذل في خدمة المنعم .
وقال مجاهد بن جبر المكي : من أعزّ نفسه أذل دينه ، ومن أذلّ نفسه أعز دينه .
* * * 177 - « لا يجد حلاوة العبادة إلا من فيه ثلاث خصال :
أن يستأثر الرجلة ، ويستلذّ العزلة ، ويترقب النقلة » [ الحلية 10 / 68 ]
* يستأثر الرجلة أي يكتفى بها في طعامه علامة علي الزهد وهي نوع من الخضروات مزهود فيه يؤكل نيئا ومطبوخا واسمها البقلة الحمراء . . أي يكون طعامه بلغة وحياته كفافا ، وقد شرحها في الحلية بالإقلال .
* يستلذ العزلة : أي يجد في الأنس بالله غنى عن الائتناس بالناس ، فإنهم مشغلة .
* يترقب النقلة : أي يتوقع الموت في كل لحظة فيعمل لما بعده .
فمن كان طعامه كفافا لا يجهد نفسه ولا ينفق وقته في تحصيله فيتوفر الجهد والوقت لله ، ومن استلذ العزلة حمى نفسه من شرور الناس وتوفر له الوقت واجتمع قلبه على ربه في إخلاص ومن خاف شيئا استعدّ له . . وبهذه الثلاثة وجد حلاوة للعبادة وإقبالا عليها وسرورا بها ، ولا ينبغي للذاكر أن يستعجل حصول هذه الحلاوة له ، فتكون هذه العجلة مدعاة لليأس من الفتح وتركه للذكر ، وذلك لسببين :
إن في الذكر وحده كفاية وقربة ، وقد سأل جماعة الشيخ عثمان : نحن نذكر الله تعالى ولا نجد حلاوة في قلوبنا ، فقال لهم : أحمدوا الله تعالى أن زيّن جارحة من جوارحكم بطاعته ؛ فهم إن حمدوه على ذلك زادهم من فضله .
وثانيهما أن الاستمرار في الذكر مع عدم وجود حلاوته نوع من الصبر ، والصابر مأجور ، وانتظار الفتح وحصول الحلاوة حسن ظن بالله ، وصاحبه مأجور أيضا ويقول الشاعر :
أخلق بذى الصبر أن يحظى بحاجته * ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
* * * ( مكررة ) : لا تجعل الزّهد حرفتك لتكسب بها الدنيا . لكن اجعلها عبادتك لتنال بها الآخرة ، وإذا شكرك أبناء الدنيا ومدحوك ، فأصرف أمرهم على الخرافات »
* سترد هذه العبارة في الباب السادس عشر باب الزهد تحت رقم ( 207 )