المزعج الذي كان يسيطر على الصحابة ، وما الورع الشديد الذي كانوا يدينون به ، وما مسارعتهم إلى الشهادة والسنّة .
والمؤمن غير المحسن في الحقيقة لا يجني ثمرات الإيمان . . . وعامة شعب الإيمان من باب الإحسان هذا ، وثمرات الإحسان كما هو معروف هي عون اللّه الشامل للمحسنين ، وحمايتهم من كل شر ، وقد جاء القرآن بذلك حين قرر أن العشرين يغلبوا مائتين ، وهو نصر لا يقاس بالمقاييس النفسية الحديثة على أي مستوى من مستويات العسكرية العالمية إلّا إن كانت هناك عناية اللّه التي لا يمكن أن تكون إلّا مع الإحسان ( إن اللّه يحب المحسنين ) .
كان أسيد بن حضير رضي اللّه عنه يقرأ القرآن فيرى في السماء مثل الظلة فيها أمثال المصابيح وكانت فرسه تجول حين تراها حتى خشي أن تطأ ولده يحيى ، فلما قص حاله على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال له : « اقرأ أسيد ، تلك الملائكة دنت لقراءتك ، ولو قرأت لأصبحت تراها في الطرقات » .
ورأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه يقرأ في صلاته فوقف عنده وقال : « سل تعطه » .
والذين قرأوا فاتحة الكتاب على من لدغته الحية فبرأ من السم وأقرهم الرسول صلّى اللّه عليه وسلم على ما أخذوا من هديه .
كل ذلك وأمثاله من آثار الإحسان . فكم من قارىء للقرآن لا يرى ولا يسمع شيئا إلّا صوت نفسه وجودة قراءته وخوفه من أن يقال : إنه غير مجيد كما يقول المحاسبي . ولم ير أسيد بن حضير ظلة الملائكة إلّا لأن هناك شعاعا وصل من قلبه إلى ما وراء عالم المادة فاستنزل أطهر الأرواح لتسمع قراءته ، وهذه قمة الإحسان . وما استحقاق ابن مسعود لإجابة الدعوة إلّا لأنه انخلع في صلاته عن كثافة البشرية إلى لطافة الروحية الخالصة ، وما قراءة الصحابة الفاتحة على اللديغ مثل قراءتنا لها ، وإن شئتم فهاتوا مائة يقرأون الفاتحة على مسموم وانظروا ما ذا يكون .
الإحسان ومناهجه هو ما في هذا الكتاب . فقد تعرض المحاسبي فيه لقضايا خافية على العلماء وعلى الطلاب جميعا ومنها :
1 - علاج المشكلات من أصولها ، لأن الأصل يأتي على الفروع ، أما علاجها من فروعها ، فإن الغصن كلما جف أخلف بدله غصنا آخر .
2 - وجوب تطهير النفس من خلائق السوء قبل عمل البر من النوافل ، لأن الخير إذا
آداب النفوس ( ويليه كتاب الوهم ) — صفحة 29
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص٢٩