وكيف تخاف فوت شيء من الخير يريده اللّه بك ؟ وإن لم يرده بك فمن يعطيك ذلك ؟
أو ينيلك إياه ؟
والمتوكل على اللّه لا يلتفت إلى الدنيا ، لأنه لا يراها لنفسه خطرا ، ولا يراها ونفسه وجميع ما فيها إلّا للّه . ويستوي عنده ركوب البحر ، والمشي في البر ، والأنس والوحشة ، والعمل والجلوس ، لأن اللّه تعالى كاف من توكل عليه . أولا تسمع لقوله تعالى :
أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ
« 1 » .
فالمتوكل على اللّه اكتفى بعلمه باللّه عن الاشتغال بغيره ، لأنه علم أن الذي يوصل إليه المنافع هو اللّه وحده لا شريك له .
وأيضا إذا سكن قلبك إلى اللّه لم تخف غيره ، لأن اللّه حسب من توكل عليه .
ومن علامة المتوكل : أنه يؤثر الصدق حيث يضره على الكذب حيث ينفعه ، لأنه لم يصح لمن توكل عليه أن يخاف غيره .
وكذلك إذا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر لم يخش الّا اللّه ، لأن رجاءه من اللّه أكثر من خوفه من توعد المخلوقين ، لأن المتوكل على اللّه أخرج من قلبه كل مخوف ومحذور ومحزون دون اللّه ، حتى اتصل خوفه ورجاؤه باللّه .
واعلم أن المعاون إنما تحضر عند إخراج العالم من قلبك ، فتنحاش عند ذلك إلى مسالك العز ، والغنى باللّه ، لأنك تعلم أنه لا مانع ولا معطي ولا ضار ولا نافع إلّا اللّه وحده .
ولا ترغب عن اللّه بجهلك ، فتخضع لمن دونه عند تخويف الشيطان ، فيستولي عليك عند ذلك . أولا تسمع قوله :
الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا
« 2 » .
فما يضرك من مواعيد الشيطان مع ضمان الرحمن ؟
واعلم أنك لا تكون متوكلا على اللّه تعالى حتى تسلك منهاج المضي إليه على السكون والاطمئنانية إلى اللّه ، وحتى تعبد اللّه راضيا بما صيرك إليه ، لأنك لا تعرف غيره .
فإذا صرت إلى هذه المنزلة على قلبك عظمة اللّه وجلاله ، لأن الخلق كلهم مقصرون عن حقه عليهم جل جلاله .
هامش
( 1 ) سورة : الزمر ، آية : 36 .
( 2 ) سورة : البقرة ، آية : 268 .