يقدر أهل الأرض أن يمنعوك ، وإن منعك لم يقدر أهل الأرض أن يعطوك ، لأن سلطانه عظيم ، وبتوكلك عليه يكفيك .
فالمتوكل ساكن القلب إلى المضمون ، فمن قطع القلب بالأسباب ، لم ير شيئا إلّا اللّه ، لأن قدر اللّه جار على المتوكل وغيره ، ألا تسمع إلى قوله تعالى :
وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ .
« 1 »
وقد علم المتوكل علما يقينا ، وسكن قلبه إلى ذلك : أن ما قسم له وقدر ، أو كان في مهب الريح لأدركه ، وأن ما لم يقسم له ولم يقدر ، لو كان بين يديه وجهد أهل السماوات والأرض أن يوصلوا إليه مثل ذرة أو خردلة لم يقدروا على ذلك . وقد قال :
وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ
« 2 » . وقال :
وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ .
« 3 » . فلم يحق لهم إيمانا إلّا بتوكلهم عليه .
وقال :
عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا
« 4 » . وقال :
وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا
« 5 » .
فالتوكل محض الإيمان ، لأنه فريضة على العباد ، ولا يكون الإيمان إلّا بتوكل ، والتوكل يزيد وينقص ، كما أن الإيمان يزيد وينقص ، والناس يتفاضلون في التوكل والإيمان على قدر اليقين .
آخر كتاب ( آداب النفوس ) للمحاسبي ، رحمة اللّه عليه ، والحمد للّه وحده ، وصلواته على سيدنا محمد وآله وسلامه ، وهو حسبنا ونعم الوكيل . وكان الفراغ منه في الخامس من ذي القعدة ، سنة اثنين وعشرين وخمسمائة .
هامش
( 1 ) سورة : العنكبوت ، آية : 60 .
( 2 ) سورة : الاسراء ، آية : 31 .
( 3 ) سورة : المائدة ، آية : 23 .
( 4 ) سورة : يونس ، آية : 85 .
( 5 ) سورة : إبراهيم ، آية : 12 .