تخطي إلى المحتوى الرئيسي

آداب النفوس ( ويليه كتاب الوهم ) — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
واعلم أن اللّه سبحانه خص المتوكلين عليه بمنازل السلامة ، وحجب عنهم كل ندامة ، فهم ينظرون إلى اللّه فيما يأملون . قد حجب قلوبهم عما سواه ، لما يرجون من إحسانه ، واستغنوا بذكره عن ذكر غيره . واعلم أنك لا تكون متوكلا حتى تصفو من كل ملك لنفسك ، مع ملك الدنيا « 1 » ، وحتى لا تثق إلا في اللّه وحده لا شريك له ، وحتى ترى مؤنتك على اللّه وحده ، فلا يذهبن بك الطمع إلى غير اللّه . ألا ترى أن الذي طمعت فيما في يديه أليس هو في ملك اللّه ؟ هل في السماء حاجز يحجزك عن اللّه ؟ فاعلم أنك لا تقدر أن تفرض رزقك ، كما لا تقدر أن تفرض الموت . أما سمعت اللّه يقول :
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ
« 2 » . فاسكن يا أخي إلى موعود اللّه تعالى في رزقه ، كما تسكن إلى أنك ميت ، واقطع الاشتغال بذكر الأسباب من قلبك « 3 » . واعلم أن اللّه يرزقك لسبب وبغير سبب ، وكل سبب فهو ثابت ، لا تعلم متى يأتيك رزقك ، كما لا تعلم متى يأتيك الموت . ألا ترى أن اللّه وعدك أن يرزقك وغيب رزقك عنك بالقضاء ، وله وقت ينزل فيه ؟ فلو احتلت بكل حيلة أن يأتيك قبل وقته لم تقدر على ذلك ، حتى ينزل في وقته . أما سمعت اللّه عز وجل يقول :
وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ . فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ
« 4 » . واعلم أن الواثق باللّه نفى عن قلبه التهمة للّه ، وإن كنت في ظل سبب فلا يميلن قلبك إلى السبب ، وليكن قلبك مع اللّه عز وجل . واعلم أن القهرمان لا ينفق إلّا بإذن السيد ، فاعقد قلبك لسيدك ، لأنه إن أعطاك لم
هامش
( 1 ) أي : إنك لو ملكت الدنيا كلها وجب عليك أن تصفي قلبك من هذا الملك . أي أن يخرجها ويضعها في يده . فليس التوكل السفلي هو عدم الملكية ولا عدم مباشرة الأسباب ، ولكن وإن اللّه الفعال دون الأسباب . ( 2 ) سورة : الروم ، آية : 40 . ( 3 ) المراد قطع الأسباب من القلب ، لا قطعها عن الجوارح . أي أن تعمل في السبب وقلبك معلق باللّه كما سيأتي بعد قليل . ( 4 ) سورة : الذريات ، آية : 22 ، 23 .