تخطي إلى المحتوى الرئيسي

آداب النفوس ( ويليه كتاب الوهم ) — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
والمتوكل على اللّه استغنى بالمعطي المانع عمن ليس بمانع ولا معط ، فهو غني باللّه عمن سواه ، فقير إلى اللّه ، قد سكن قلبه عن الاضطراب ، فليس لمخلوق في قلبه خطر . . . فمن وثق بغير اللّه لا يغنيه . . . والمتوكل لزم التقوى ، فجعل اللّه له مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب ولم يقل من حيث يحتسب . وقال :
وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً
« 1 » . فالمتوكل توكل على اللّه في حاجاته كلها ، من أمور آخرته ودنياه ، وقطع رجاءه ممن سواه ، ولم ير نفسه موضعا لاختيار نفسه ، لأن اللّه حسبه ، ومن كان كذلك فقد سكن إلى روح اليقين . وهذه المنزلة التي لا منزلة أرفع منها في سكون القلب إلى اللّه ، والطمأنينة بموعود اللّه ، لأنه قد جعل اللّه حسبه من جميع خلقه ، ومن كان اللّه حسبه فلا يجد فقد شيء ، لأن اللّه قد ضمن له ، وهو بالغ أمره . واعلم أنك والخلق جميعا مضطرون إلى اللّه ، في كل حال ، وفي كل حركة ، وكل سكون ، لأنه الغني وحده ، ومن وثق بغير اللّه فقد رأى أن ملكا أكبر من ملك اللّه ، ومن وثق باللّه استغنى به ، لأن اللّه حسبه ، وفي اللّه خلف من جميع الخلق ، وليس في أحد من الخلق خلف من اللّه ، لأن اللّه هو الغني وحده . فإذا علمت أن اللّه حسب من توكل عليه ، فكيف لا تطلب الكفاية بالتوكل على اللّه عز وجل ؟ ألست تعلم أن الرزاق قد قسم بين عباده معايشهم ، وقد فضل بعضهم على بعض في الرزق ، وقد فرغ مما قضى وقدر من ذلك ؟ فكيف تعني بعد علمك بطلب ما قد فرغ لك من مقداره ؟ ألا تسمع إلى قول اللّه عز وجل :
وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
« 2 » . فكيف تطلب كشف الضر من غير اللّه ، أو تطلب المنفعة من عند غير اللّه ؟ . وكيف لا يكون الغالب على قلبك طلب كشف الضر وطلب النفع من عنده وحده ، إذ علمت أن ذلك كله إنما هو بيده وحده ؟
هامش
( 1 ) سورة : الطلاق ، آية : 3 . ( 2 ) سورة : الأنعام ، آية : 17
آداب النفوس ( ويليه كتاب الوهم ) — صفحة 142 | الحارث المحاسبي / عبد القادر احمد عطا