تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوصايا — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
يطلبون . ومنهم شياطين الإنس ، عن الآخرة يصدون ، وعلى الدنيا يتكالبون ، وإلى جمعها يهرعون ، وفي الاستكثار منها يرغبون ، فهم في الدنيا أحياء ، وفي العرف موتى ، بل العرف عندهم منكر . والاستواء [ بين الحي والميت ] « 1 » معروف . فتفقدت في الأصناف نفسي ، وضقت بذلك ذرعا ، فقصدت إلى هدى المهتدين بطلب السداد والهدى ، واسترشدت العلم ، وأعملت الفكر ، وأطلت النظر ، فتبين لي من كتاب اللّه وسنة نبيه ، وإجماع الأمة ، أن اتباع الهوى يعمي عن الرشد ، ويضل عن الحق ، ويطيل المكث في العمى . فبدأت بإسقاط الهوي عن قلبي « 2 » ، ووقفت عند اختلاف الأمة مرتادا لطلب الفرقة الناجية ، حذارا من الأهواء المردية ، والفرقة الهالكة ، متحرزا من الاقتحام قبل البيان ، وألتمس سبيل النجاة لمهجة نفسي . ثم وجدت باجتماع الأمة في كتاب اللّه المنزل أن سبيل النجاة في التمسك بتقوى اللّه ، وأداء فرائضه والورع في حلاله وحرامه وجميع حدوده « 3 » ،
هامش
( 1 ) ما بين المعقوفتين : سقطت من الأصول ، وأضفتها لتوضيح المعنى . ( 2 ) الهوي : ميل النفس اللوامة والأمارة في حال ارتفاع الصفة عنها عند العزم على اقتراف إثم محبب للنفس . والهوى يعمي عن الرشد حقا ، قال اللّه تعالى :أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ ،أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًاالآيات . والضابط الذي يعرف به عمل الهوى من عمل العقل ، هو أن يعرض الإنسان العمل على نفسه . فإن وجد نفسه مشتاقة إليه ، راغبة فيه فهو باطل من عمل الهوى ، وإن وجد نفسه نافرة منه مستثقلة له ، فهو حق من عمل العقل ، ومرغوب الحق . ( 3 ) الورع في الحلال : هو تحري الحلال الخالص من شائبة الحرمة والكراهة بنوعيها ، التنزيهية والتحريمية ، وترك ما يريب إلى ما لا يريب . والورع في الحرام : تركه واقتلاع جذور الميل إليه من القلب . والأصل الجامع لتلك الأصول هو : التخلي والتحلي . والمراد إحلال عادة حسنة مكان العادة السيئة التي يراد اقتلاعها . وقد بعثرت تلك الوسائل التربوية السلوكية في كتب السلوك ، ومن أهمها : ترتيب النوافل ، والأوراد ، وقيام الليل وحضور الجماعات ، والاجتماع لذكر اللّه ، والاشتغال بأمور الأخوان . كل ذلك في نظام رتيب وأوقات معلومة لا يتخلف المريد عنها إلا لضرورة . وتلك وسيلة تربوية حديثة أقرها علم النفس الحديث ، وسار على هداها ، واعترف بنتائجها وأثرها في تقويم الإنسان .
الوصايا — صفحة 61 | الحارث المحاسبي / عبد القادر احمد عطا