تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوصايا — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
الأمة ، وألتمس المنهاج الواضح ، والسبيل القاصد ، وأطلب من العلم والعمل ، وأستدل على طريق الآخرة بارشاد العلماء ، وعقلت كثيرا من كلام اللّه عز وجل بتأويل الفقهاء ، وتدبرت أحوال الأمة ، ونظرت في مذاهبها وأقاويلها « 1 » ، فعلقت من ذلك ما قدر لي ، ورأيت اختلافهم بحرا عميقا غرق فيه ناس كثير ، وسلم منه عصابة قليلة . ورأيت كل صنف منهم يزعم أن النجاة لمن « 2 » تبعهم ، وأن المهالك لمن « 3 » خالفهم . ثم رأيت الناس أصنافا . فمنهم : العالم بأمر الآخرة « 4 » ، لقاؤه عسير ، ووجوده عزيز . ومنهم الجاهل ، فالبعد منه غنيمة . ومنهم المتشبه بالعلماء ، مشغوف بدنياه ، مؤثر لها . ومنهم حامل علم منسوب إلى الدين ، ملتمس بعلمه التعظيم والعلو ، ينال بالدين من عرض الدنيا . ومنهم حامل علم لا يعلم تأويل ما حمل . ومنهم متشبه بالنساك « 5 » ، متحر للخير ، لا غناء عنده ، ولا نفاذ لعلمه « 6 » ، ولا متعمد على رأيه « 7 » . ومنهم منسوب إلى العقل والدهاء ، مفقود الورع والتقي . ومنهم متوادون ، على الهواء واقفون ، وللدنيا يذلون ، ورئاستها
هامش
- المؤلف ، حيث رمى المسلمون بعضهم بعضا بالكفر رميا صريحا . ( 1 ) وهذا منهج آخر من مناهج علماء السلف رضي اللّه عنهم ، لا يقررون من العلم إلا ما عرضوه على الشريعة السمحة ، ولا يأنفون من طلب العلم على غيرهم من العلماء والفقهاء ، ولا يقدمون للناس من مسائل الوعظ إلا ما كان بعد فحص عن مواطن الداء ، وعناية بما يحسم أمراض القلوب والنفوس . ( 2 و 3 ) في الأصل : « من » والإضافة لتوضيح المعنى . ( 4 ) العالم بأمر الآخرة هو : من يعد نفسه في الدنيا لثواب الآخرة ، ومنهم من رقي بعلمه ، فلم يعد نفسه به لثواب الآخرة ، بل للقرب من مولاه ، والحظوة بالحياة الهانئة في ظلال المعرفة الإلهية . ( 5 ) النساك : العابد ( 6 ) أي : لا ينفذ علمه إلى قلوب السامعين . ( 7 ) قد يكون هذا النوع خطيرا في مسألة العقيدة إذا تصدر للارشاد الصوفي ، لأن قيادة الروح عمل بالغ الدقة ، وقد ينحرف بها غير العارف بسلوكها ، فيوقع صاحبها في بحر من الخزعبلات ، أو يهوي بها في حضيض التشبيه أو التعطيل أو الإلحاد .