قلت : ما الدليل على ذلك ؟
قال : خبر النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إذا أحب اللّه عبدا جعل له واعظا من نفسه ، وزاجرا من قلبه ، يأمره وينهاه » « 3 » .
قلت : زدني من علاماته .
قال : ليس شيء أحب إليه من أداء فرائضه ، بمسارعة من القلب والجوارح ، والمحافظة عليها .
ثم العلامة بعد ذلك : كثرة النوافل ، كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « يقول اللّه عز وجل : ما تقرب عبدي إليّ بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ، وإن دعاني أجبته ، وإن سألني أعطيته » « 4 » .
قلت : صف لي الآن من علامات وجود قلبه .
قال : نفسه محبوسة في سجن الملاطفة ، مخصوصة بعلم المكاشفة ، متلذذ بنعيم النظر في مشاهدة الغيب ، وحجاب العز ، ورفقة المنعة .
فهي القلوب التي أسرت أوهامها بعجيب انفاذ اتقان الصنع ، فعندها تصاعدت في المنى ، وتواترت على جوارحها فوائد الغنى ، فانقطعت النفوس عن كل ميل إلى داعي راحة ، وانزعجت الهموم وفرت من الرفاهية ، فنعمت بسرائر الهداية ، وغذيت بلطيف الكفاية ، وأرسلت في روضة البصيرة ، فأحلت القلوب محلا نظرت فيه بلا عيان ، وجالست بلا مشاهدة ، وخوطبت بلا مشافهة .
فهذه يا فتى صفة أهل محبة اللّه عز وجل من أهل الموافقة والحياء ، والرضا والتوكل ، فهم الأبرار من العمال ، والزهاد من العلماء ، والفقهاء من الحكماء ،
هامش
( 3 ) حديث « إذا أحب اللّه عبدا . . . » : أخرجه أبو داود عن سلمان .
( 4 ) حديث « ما تقرب عبدي » : أخرجه البخاري عن أبي هريرة .