معرفة الصانع ، ليكون منك التعظيم له ، وتزداد في معرفة القدرة ، فتنظر إلى الأشياء بعد ذلك بخالقها ، وإلى المصنوع بصانعه ، وإلى المفطور بالفاطر ، فتنظر إلى الأشياء بعواقبها .
ثم يدلك وجود ما علمت منها على الشيء المغيب عنها ، أنه أعجب مما رأيت وعلمت ، وأن ما علمت عندما لم تعلم كلا شيء في لا شيء .
قلت : وكيف ذلك ؟
قال : إنما تنظر على قدر عقلك ، وما سمت إليه همتك ، وأصاب وهمك .
قلت : الناس متفاوتون في الاعتبار ؟
قال : نعم ، على قدر صحة العقول ، وقوة الإيمان ، وما ورد عليّ من ذلك على قدر اتساع المعرفة « 2 » .
قلت : شيء غير هذا ؟
قال : نعم ، على قدر طهارة القلوب ، لأن مخرج الاعتبار من القلب ، فإذا خرج من قلب طاهر نفذ في الغيب ، وسمت به الهمة ، وتراقى به الفكر ، ولم يمنعه مانع من الأدناس ، فوافق مراد القلب ، وصفى معرفة النفس ، كما قال وهب بن منبه « 3 » : قال الحواريون : يا عيسى ، من أولياء اللّه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ؟ فقال عيسى : هم الذين نظروا إلى باطن الدنيا ، حين
هامش
( 2 ) في جامعة القاهرة مخطوط منسوب إلى الجاحظ بعنوان ( العبر والاعتبار ) يعتبر أكبر عون للمسلم على الاعتبار ، إذ تتبع فيه كل ظواهر الحياة تقريبا من الفصول الأربعة ، والليل والنهار ، واختلاف الطقوس في اليوم الواحد ، واختزان الماء في بطن الأرض ، والحيوان والنبات والجماد والحشرات ، وما فيها من دلائل تدل على وحدة الصنع ووحدة الصانع ، وإبطال مذهب الصدفة .
( 3 ) وهب بن منبه الأنباري الصنعاني الذماري ، مؤرخ كثير الأخبار عن الكتب القديمة ، عالم بأساطير الأولين ، لا سيما الإسرائيليات ، أصله من أبناء فارس الذين بعث بهم كسرى من اليمن ، وأمه من حمير ، ولد ومات بصنعاء ، ولاه عمر بن عبد العزيز قضاءها ، مات عام 114 ه ( وفيات الأعيان 2 / 180 والحلية 4 / 23 والمعارف لابن قتيبة 202 وطبقات ابن سعد 5 / 395 ) .