سيدها ، ونفاذ قدرته فيها ، وصنعه في اتقانها ، شغلها ذلك عن النظر إلى الآلام ، ولم يجدوا تعبها ، لعظيم قدر ما غلب على عقولهم من التعظيم للّه والهيبة والإجلال له .
قلت : هذا الصبر ، فما التصبر ؟
قال : هو حمل النفس على المكاره ، وتجرع المرارات ، وتحمل المؤن والمكابدات ، يريد ذلك تمحيص الجنايات رجاء الثواب ، ومطلب الصابر ذي غايات الطاعات .
والمتصبر يجد كثيرا من الآلام ، والصابر قد سقط عنه شديد المكابدات ، فمذهبه في العمل على الطيب والسماحة « 8 » .
قلت : هل بين الصبر والتصبر حالة ؟
قال : نعم ، بينهما حالة تسمي التنعم .
قلت : وما معني التنعم في مثل هذا الموضع ؟
قال : لما تصبر العبد ، وعلم اللّه عز وجل منه طول اجتهاده ، رفع اللّه علما من الآخرة يدله على منازل الصابرين ، ووجد الحلاوة الدائمة ، وعرف قدر الطاعة ، وعلم أنها نعمة من اللّه عز وجل ، ولطف وبر ، فامتزجت المعرفة بملاحظة المنعم ، فتنعم القلب سرورا بالمنعم . فهذه حالة تحمله على الدخول في حالة الصبر من منزلة التصبر .
قلت : الصابرون في حالة واحدة ، أو متفاوتون ؟
قال : متفاوتون ، بعضهم أفضل من بعض .
قلت : من أين تفاوتهم ؟
هامش
( 8 ) المتصبر يجد كثيرا من الآلام لأنه يجاهد ما تجده نفسه من ألم النازلة ، أو فقدان المحبوب ، فهو يحاول الصبر وليس صابرا على الحقيقة . أما الصبر الجميل ففيه علم بحكمة النوازل أو الفقدان .
وفيه إحساس بالبديل من لطف اللّه ، وجمال الانتصار على النفس ، ولذة موالاة اللّه لمن أحب .