ليلي » « 6 » .
قلت : فكيف يكون العبد عندك في شيء من الكد الشديد ، والاجتهاد الطويل ، وهو لا يجد ألم ذلك ؟
قال : يكون هذا منه في كثير من الأوقات ، وذلك على قدر ما استولى على القلوب من الهيبة ، ووكدت فيها المعرفة ، فعندها تشرق القلوب بنور اليقين على منازل المقربين ، وكرامات اللّه للمجتهدين ، فتستغرق الأوهام في تعجب نفاذ القدرة ، وإتقان الصنع ، فتشتغل الهموم بكفر القلوب إلى ما وقع فيه وبه التعجب من استغراق معرفتها ، وعجائب حسن صنع اللّه ، والإتقان ، فتنسى الأتعاب ، ويشغلها عن الالتفات إلى مواضع ألم التعب ، لعظيم قدر ما كشف عن أبصار قلوبهم .
قلت : اضرب لي مثلا أستعين به على فهم المخاطبة ، ليستقر عندي ما تقول .
قال : ألا ترى إلى قصة يوسف عليه السلام حيث قالت له امرأة العزيز :
. . . اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ
« 7 » . ألا ترى يا فتى أنه لما فاجأ القلوب والعقول ، تعجبن منه ، ومن اتقان الصنع فيه ، واستغرقت عقولهن ، وقطعن أيديهن وهن لا يشعرن ، ولا يجدن لذلك ألما ، حتى غاب عنهن وجدن لذلك ألم القطع ؟
وهكذا يا فتى ، إذا استغرقت القلوب من تعجبها في حسن أيادي
هامش
( 6 ) تمام الحديث : عن الحارث بن مالك الأنصاري أنه مر بالنبي صلى اللّه عليه وسلم فقال له : « كيف أصبحت يا حارثة ؟ قال : أصبحت مؤمنا حقا . قال : أنظر ما تقول ، فإن لكل شيء حقيقة ، فما حقيقة إيمانك ؟ قال : كأني أنظر إلى عرش ربي بارزا » الحديث . أنظر مجمع الزوائد 1 / 57 . وقد عزاه للطبراني والبزار . ورواية الطبراني فيها ابن لهيعة . ورواية البزار فيها يوسف بن عطية . لا يحتج به .
( 7 ) يوسف : 31 .