الصدق ، وعلى قدر ما وافق من ذلك رقة القلب ، وصحة العقل .
فربما هاج الصدق في القلب فولهه « 4 » ، وربما حيره ، وربما أذهله ، وربما أبكاه ، وربما أحزنه ، وربما نغص عليه الطعام والشراب ، وربما دام منه البكاء والنحيب ، وربما لحقه النشيج « 5 » ، وربما أفحم « 6 » ، وربما صرخ ، وربما شهق ، وربما زال عنه العقل ساعة ويوما ويومين ، وربما سقط عنه التمييز ساعة ويوما ويومين ، أو أكثر من ذلك ، على قدر هيجان الصدق من القلب ، وربما قطعه الصدق عن كثير من أعمال البر وهو مشتغل بمواجيد الصدق ، وربما هام ، وربما توحش من الخلق إلى أنس الوحدة ، وربما دام به الحزن ، وربما كمد ، وربما تغير منه اللون ، وربما اقشعر منه الجلد ، وربما استبسلت « 7 » منه الجوارح ، وربما خمدت منه الأعضاء ، وربما لم ينتفع به أهل ولا ولد ، وربما لم يقدر أن يأكل الشيء تغصصا بالطعام حتى يحسوه حسوا « 8 » ، وربما عمشت عينه من البكاء ، وربما احترقت منه الجفون ، وبكت لبكائه العيون .
فهذا الذي وصفناه كله يهيجه من القلب صدق الحياء ، أو صدق الخوف ، أو صدق حسن الظن ، أو صدق المحبة . فهذا يا فتى الذي يورث الصدق من الآلام في القلوب والأبدان « 9 » ، وهكذا صفته .
* * *
هامش
( 4 ) ولهه : من الوله ، وهو : الحب المقارن للحزن .
( 5 ) النشيج : البكاء بصوت مكتوم .
( 6 ) أفحم : صمت وانكسر .
( 7 ) استبسلت الجوارح : جدت في العمل دون ملل ولا تعب .
( 8 ) يحسوه حسوا : يشربه شربا .
( 9 ) ليس المقصود من الصدق حصول هذه الآلام التي ذكرها المؤلف ، بل المقصود نتائج هذه الآلام ، وهي : اخلاص العمل للّه تعالى وما يتبعه من إحساس بالعزة باللّه ورسوله ، والفوز بمواريث الاخلاص التي يفيضها اللّه تعالى على المخلصين ، من ولايته لهم ، وحبه إياهم ، وامدادهم بالعلم والنصرة على العدو في الدنيا والآخرة .