قال : خوف السؤال عن مثاقيل الذر من إرسال اللفظ « 1 » ، وخلف الوعد ، وتأخير الضمان « 2 » .
قلت : ما أصل الصدق ؟
قال : المعرفة ، لأنك لا تصدق إلا من تعلم أنه يراك ويسمعك ، وهو قادر على عقوبتك ، وعلمك أنه لا ينجيك منه إلا الصدق له ، فوقع حينئذ الصدق ضرورة .
فالمعرفة أصل الصدق ، والصدق أصل لسائر أعمال البر ، وعلى قدر قوة الصدق يزداد العبد في أعمال البر .
قلت : ما الذي قطع الخلق عن مطالبة الصدق ؟
قال : من قلة المعرفة بقدر الصدق ومنافعه ومواريثه ، وضعف اليقين .
فإذا ضعف اليقين وهن الصدق ، وقلت الرغبة ، فلم يحتمل مؤن الصدق ، لما غيب عنه من عذوبته ، وقد قال اللّه عز وجل :
فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ
« 3 » . فضمن لهم الخير بالصدق .
فغاب عنهم قرب المشاهدة ، ولذة الموافقة ، واحتمال مؤن الصدق ، فمن ثم انقطع العبد عن مطالبته .
قلت : رحمك اللّه ، صف لي : كيف نزوله في القلب ؟
قال : إن الصدق موهبة من اللّه عز وجل ، فإذا وقر في القلب انصدع لذلك نور ، وكان له هياج في القلب ، وأخذ بالرأس ، وانتشر في سائر الجسد ، فتأخذ كل جارحة منه قسطها من الصدق على قدر الكثرة والقلة من هيجان
هامش
( 1 ) إرسال اللفظ : اجراؤه على اللسان دون تمييز بين حق وباطل ، ولا لغو وعقد ، فهو كذب ، وضبط اللسان صدق .
( 2 ) تأخير الضمان : تأخير الأعمال التي ضمن اللّه للعبد بها النجاة فمن خافه صدق معه وابتعد عن كل ما فيه مساءلة ، واقترب مما فيه النجاة .
( 3 ) محمد : 21 .