وخبرني عنها محدثة هي أو قديمة ، أهي مكتسبة أو موهوبة ؟
قال : إن اللّه تعالى خلق العقول وقسمها بين عباده ، مواهب أسكنها القلوب ، فمن ثم قلنا : عقلت القلوب عن اللّه بالمواهب ، وبالعقول نيل حسن المواهب ، وبالعقول ينبعث على الجد في المكاسب .
قلت : رحمك اللّه ، خبرني عن العقل ما هو ؟
قال : نعم يا فتى ، إن العقل صفة تدل على معنى موجود في صواب القول وخطئه ، وليس بجسم ولا حاسة يحسها ، ولا ينظر إليها ، ولكن تعرف الجسم كما تعرف الطبيعة .
ألا ترى أنك تقول : بطني متغير ، فيقال : هذا عمل طبيعتك ؟ فتقول :
أجد يبوسة ، فيقال : هذا عمل طبيعتك ؟
وهكذا يا فتى الرجل ، إنما دل لسانه على عقله ، فإذا كان الصواب فيه قيل : فلان عاقل . وإذا كان الخطأ فيه قيل : فلان أحمق . فاللسان يدل على أن في الجسم نورا هو : العقل .
قلت : فكأنك قلت لي : إن العقل حال في البدن ، إلا أنه ليس له حد يوجد فيه .
قال : نعم ، وكفى بالبدن حدا .
قلت : رحمك اللّه ، أخبرني عن هذه العقول ، أتزيد وتنقص ، أم هي واقفة لا تزيد ولا تنقص ؟
قال : للّه أبوك ، لقد أنشأ لك الأدب ، وعلمك المسائل في الصغر ، وجمع بينك وبين الفطن .
اعلم يا فتى أن العقل في نفسه غريزة مخلوقة . والعقل عقلان : عقل
الوصايا — صفحة 252
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص٢٥٢