وبلغنا أن اللّه عز وجل لما خلق العقل قال له : أقعد . فقعد . ثم قال له : قم . فقام . ثم قال له : أدبر . فأدبر . ثم قال له : أقبل . فأقبل . ثم قال له : أنظر . فنظر . ثم قال له : تكلم . فتكلم . ثم قال له : أنصت .
فأنصت « 1 » . ثم قال له : اسمع . فسمع . ثم قال له : افهم . ففهم . ثم قال له : « وعزتي وجلالي ، وعظمتي وسلطاني ، وقدرتي على خلقي ما خلقت خلقا هو أكرم عليّ ولا أحب منك ، ولا أفضل منك منزلة ، لأني بك أعرف ، وبك أعبد ، وبك أحمد ، وبك آخذ ، بك أعطي ، وبك أعاقب ، ولك الثواب » .
فقد خص اللّه تعالى العقل بالكرامة ، وحباه بأمر عظيم ، وجعل العاقلين أعلى درجة وأشرفها في الدنيا والآخرة . وبلغنا عن بعض الصحابة أنه قال :
« لأن يزداد عقلي كل يوم مقدار ذرة . أحب إلي من حطم السيوف في سبيل اللّه تعالى بنفسي ومالي وإعطائي المال سخاء في أصناف المعروف وفي الصدقات » .
ألا فمن رغب منكم في العقل وأراد السبيل في اكتسابه ، فإن أفضل ما تستفيد بالعقل أن تطيع اللّه فيما افترض عليك . وتتجنب ما حرم اللّه عليك ، فمتى فعلت ذلك أخذت من العقل بنصيب ، فبذلك جاءت الأخبار « أن العاقل من أطاع اللّه ، ولا عقل لمن عصاه » .
العلو في العقل في صحة الجوارح والأرزاق :
وبعد : فإن أردت العلو في درجات العقل ، ورغبت في مزيد الفوائد من اللّه عز وجل ، فكن بخلاف الناس في فعلهم ، فإن الناس إنما عصموا اللّه بما أنعم عليهم من صحة الجوارح والأرزاق المتواترة ، وغيرها من النعم المتظاهرة ، فيها قووا على معاصي اللّه .
وسائل رقي العقل :
أخي : فاستحي أن تعصيه بنعمه . ولتكن من أهل الكرم والشكر ،
هامش
( 1 ) في الأصل : فنصت