فإن هو نبذ إليه بالمعصية وسوسة ، فرأى منه إقبالا عليها ، واستحلاء منه لها في قلبه ، ألح عليه بها ، فعندها يكون سقوط من سقط من أهل الطهارة عند موضع الغفلة والإثم بالوسوسة .
فيريم منه عند الإعراض لعلم الطاعة ، ولم توهنه وسوسته ، فزالت عنه في هذه الطاعة المكابدة ، ولم ينس مقامه في العبادة .
ولن يتم العبد في طاعته ، وتحلو عنده عبادته ، حتى تزايله مكابدة الهوى .
مكابدة الهوى
وقد تكون المكابدة على ضربين :
فضرب يكابد هواه ، وما يدعوه إليه الشيطان .
وآخر يكابد تحمل الشدة بطبيعته ، فيتحمل ما حلّ به من الآلام ، لما استبطن من الرغبة في طلب الرحمن ، فليس هذا مكابدة .
فإذا كان للعبد في الطاعة رغبة ، ولم يكن لغيرها ذاكرا ، حلّت به الراحة ، وزالت عنه شدة الكلفة . وإن كان قد زايله الوجل ، وصار إلى النصب وشدة التعب ، فإن في عظيم الرغبة ما يجعله يتحمل معه شديد المؤنة .
فراحة الرغبة في الطاعة القليل منها يحتمل معه كبير مؤنة الكلفة .
وإنما تكون المكابدة على وجهين :
إما لرجل لم يتم منه العلم بقيمة ما يطلب ، وعظيم مقدار جزاء ما يترك . فإذا ذكر ما ترك ، ولم يتمثل ثوابه ، اشتدت عليه الطاعة ، وعظمت مكابدته ، إذا حلّ في الطاعة للّه ، مع ماله من الرغبة في الراحة .
فإذا تذكر طاعته مثلت في قلبه راحته ، فهو يحب أن يصير إلى الطاعة ، ولا يفارق الراحة ، ومعه من الهوى داع قد اقتسمه فصار بين اثنين ، بين طاعة ، وحبّ راحة ، فقلبه معذب ، فليس يترك الراحة ، وصار له من الطاعة أرب ، فهو مكابد ليس تتم منه راحة للقيام بطاعته ، وليس تتم طاعته لتذكر راحته ، فهو الذي نغص عليه عيشه ، فهو الدهر مغموم ، وقلبه معه مذموم .
لم يستبطن من العلم ما يتحمل به مؤنة العمل ، ولم يكن معه من الرغبة ما يزجر دواعي الهوى ، وما يقوى من اعتياد الرجاء ، إلى أن يصير عادته ، ويترك ما هو فيه .