ويجعل الموت نصب عينيه ، فيعلم أنه ليس وقت من الأوقات إلا وقد أخذ عزيمته ، فلا يأمن في كل وقت يأتي عليه الموت قبل أن ينقضي ما منه أراد .
فلا يبيع من طاعة اللّه الموجود ، لآن كل من هم بمعصية فهو بائع بها ضدها من الطاعة ، فلعله لا ينال ما أراد من المعصية ، وقد خرج من ثمن ما كان فيه من الطاعة ، لأنّ الطاعة موجودة في كل وقت ، بالعزيمة عليها .
ولا يرد إليها ، ولا يحال عن المعصية إلا بانتقاله إلى الطاعة ، فمن أحسن النظر لم يبع الموجود من طاعة اللّه بما لا يدري لعله لا يناله من معصية اللّه . فالطاعة مؤنة اللّه فيها أكبر المؤنة .
قلت : ماذا يقوي على الطاعة ؟
قال : يقوي على الطاعة ضروب :
فأما طاعة القلوب التي لا تلزم البدن منها شدة ، فبالعلم وبالتعظيم ، وهما غذاء القلوب ، وبهما تحيا النفوس .
والذي يقوي على عبادة الأبدان قوة العزيمة ، وقلة الالتفات إلى الداعي من الناس ، وهم الأكثر ، فإنما يقوى على القلوب بالعبادة .
ومنهم من يقوى على العبادة بالتمثيل للثواب ، وحسن الانقلاب ، وهو الحديث الذي يروى : « اعمل كأنك ترى ثواب ربك » . فإن كان العمل لدين أدينا ، وأحلّته الآلام وشدتها بكثرة التعب ، وصعوبة الخروج من النصب ، ذكر ما يصير إليه من الراحة فاحتمل كثرة المؤنة ، وخف عليه بذل الحيلة . وقد يسافر في التجارة ، فإذا تذكر ما إليه يصبو ، هان عليه ما يبذل ، واحتمل شدة المؤنة ، لعظيم ما يرجو من طول الراحة في الإياب .
ومن أقوى ما يستعان به على النصب ، أن يذكر الوقت الذي هو فيه ، وسرعة زواله ، وحسن ما يرد إليه ، ولا يملّ النصب ، فإنه يقطع عن الطلب ، ولكن ينظر إلى الأشياء بالزوال ، وسرعة الانتقال .
فإذا لم يذكر إلا حاله ، كرمت فعاله ، وحسن احتماله ، لأنّ ما مضى مفقود ، وما لم يأت ليس بموجود ، وإنما العبد في أقل الأوقات لا يذكر من عمره غيره ، فلو تضاعف عليه النصب ، هان عليه احتماله ، لسرعة زواله ، أو كان عليه أكثر الرجاء ، هان عليه فراقه ، لتغير حاله .
فمن لم ينظر إلا إلى وقته قوي على العمل ، وقصر منه الأمل .
المسائل — صفحة 30
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص٣٠