فأما الذين يوسوس إليهم بترك الطاعة ، فإن وسوسته على ضربين :
أما أهل المعاصي فيوسوس إليهم بترك الطاعة ، بتمثل ما بعدوا منها ، وبتزيين ما شوقته إليهم أنفسهم مما يدعوهم إليه ، قد تعود منهم سرعة الإجابة ، فبدأهم بالوسوسة في غير إلحاح .
وأما أهل الطهارة فإن وسوسته إليهم على ضربين :
إما بترك النافلة ، أو التعريض بالمعصية ، وليست وسوسته بالمعصية لأهل الطهارة كوسوسة لأهل النجاسة .
فوسوسته لأهل النجاسة بالتزيين وحسن التمثيل .
ووسوسته إلى أهل الطهارة بالتعريض ، لمعرفته بأن أهل الطهارة لا تتزين المعاصي عندهم ، ولا يستحسنون المعصية .
ولكنه يترصد موضع الغفلة والنسيان فيحبط العمل ، ويعرضوا عن فعلهم ، ثم يذكر المعصية ، وإما بترك نوافل الطاعة ، فإنه يمثل لهم النصب الذي إليه يصيرون ، والراحة التي يتركون ، ويمثل لهم نافلة الطاعة ، إما بتمثل النصب ، أو بذكر الراحة ، أو بالتسوية ، فعظمت في الراحة منه المعصية وكثرت منه العادة .
ومنهم من يوسوس إليهم بالشبهات ، وذلك لما عظمت رغبته في الطاعة ، وقل منه بها العلم ، فوسوس إليه بالشبهات ليعتقدها ، وينبذ إليه بها لكيلا يعجل بردها .
فإذا لم يعاجلها بالرد ، وقام منها مقام ناظر مرتاب ، ألح عليه بتزيينها ، ومثل له من الصواب ما يستشهد عليه فيها .
ومنهم من يراصده ، لأنه قد ييأس منه ، إلا في موضع الغفلة ، فلما كثرت عليه الوسوسة كثر احتراسه ، ونفي وساوسه ، فيراصده بتضييع الاحتراس ، ويحمل عليه بالملاهي ، وينبذ إليه بها .
فإن نفى الوسوسة ، وصار إلى الذكر ، وحسم الأشياء ، خنس عنه ، ولم يلح عليه ، لأنه إذا ذكر عند الوسوسة أيس من الغفلة .
وإن أراد الشيطان الطمع فيه بالغفلة عن الطاعة ، أعرض عنه اللعين بالوسوسة كأنه لم يوسوس إليه ، ولم يردها ، كيلا يرادد الطاعة ، وهم الذين وصفهم اللّه في كتابه
إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ
[ الأعراف : 201 ] .