وآخر ليس مقامه مقام داع إلى اللّه ، لا يعرف بالدعاء ، ولكنه يحب أن يظهر طاعته للّه ، لأن ينيله الناس من دنياهم ، فقد حلّ به الضعف لسوء إرادته .
وآخر رسخت منه الطاعة للّه تعالى رغبة منه إلى اللّه في ثوابها ، والرهبة من المعصية خوف عقابها ، صح منه السر والجهر في علمه .
غير أنه يذكر أنه إذا نظر الناس إليه ، وعطفوا عليه ، سره ذلك ، لأن حوائجه عندهم حينئذ مقضية . وإن قضيت حاجته ، وأعطى على مسألته لما يظهر عندهم من الطاعة ازداد للّه طاعة ، وعند تعظيم الناس له على طاعته ازداد استكانة ، ليس بمستطيل في طاعته .
وآخر إذا رآى تعظيم الناس له في طاعة اللّه جد فيها ، وسرّ بما يرى من تعظيم الناس عليها ، ليس يريد بحبه إلا ما يريد من تعظيم الناس على الدين .
وقد يكون أن يصح العبد في طاعته ، وهو يريد أن يعظم أمانته ، فيلبسه ربه الستر ، ويظهر منه حسن الفعل ، ليكون قوله مسموعا ، وفعله متبوعا .
وإذا تم العبد في عمله بالاشتغال ، لم يذكر إلا بصحة الأعمال ، فإذا قام في نية الأعمال لم يذكر في فعله من شدة شغله به أهلا ولا مالا . قد ملأه ما فيه ، فليس يذكر إلا ما يعنيه يرى أن ذكره غير ما هو فيه نقصان ، فلا يريد من فعله إلا التمام .
وإذا تبين للشيطان أنه يريد بفعله غير اللّه ، فإنه يعرض له بغير ما يفعل ، ليذكر غير الفعل الذي هو فيه ، ليكون ذلك في الفعل نقصا .
وقد يذكر فعل الطاعة الذي يفعل ، فيشتغل به عن تمام ما هو فيه .
وإن ذكّر العبد غير ما هو فيه بنسيان ، فوسوسته إلى العباد مختلفة على قدر مذاهبهم ، وليس كل الناس يوسوس إليهم بشيء واحد .
فمنهم من يوسوس إليه بترك الطاعة المفروضة .
ومنهم من يوسوس إليه بترك النفل .
ومنهم من يوسوس إليه بالمعصية .
ومنهم من يوسوس إليه بالشبهات .
ومنهم من يراصده بالوسوسة .
المسائل — صفحة 26
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص٢٦