يعطى الحاسدين فيك ما يحبّون ، فاشكره على ذلك .
فدع الحسد الذي لم يطع به غيرك فيك لو كان هو الحاسد لك ، فارض بما قسم لعباده ، فإنك إن لم تفعل خالفت محبّته ، وبارزته بالخلاف فيما أوجب ، وما آمن أن يزول عنك من النعم في الدنيا والدين سوى ما زال عنك من نعمة السلامة والنصيحة قبل أن تحسده ، فينزل بك ما تمنيت بغيرك ، عقوبة من اللّه عزّ وجلّ ، لأنه يقول تعالى :
وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
« 1 » .
وذلك كالماكر ، إنما أراد أن يفعل السوء بغيره ، فحاق به ما أراد بغيره ، وكذلك الحاسد : لا يأمن أن ينزل به من البلاء وزوال النعم مثل ما أحب للمؤمنين .
وقد يروى عن بعضهم أنه قال : ما تمنّيت لعثمان رضى اللّه عنه شيئا إلا نزل بي ، حتى لو تمنّيت له قتلا لقتلت .
فلو لم تدع الحسد - خوفا من عقوبة الآخرة - إلا خوفا من عقوبته في الدنيا أن ينزل بك مثل ما تمنّيت لمن حسدته ، وساءك ما أنعم عليه به ، فلا ينعم اللّه عليك مثل ما أنعم عليه به ، إذ ساءك تفضل اللّه عزّ وجلّ عليه ، فتخوف بلاء الدنيا وزوال النعم فيها - كان ينبغي لك أن تدعه لو أمنت عقوبة الآخرة . وما لك أن تأمن ذلك وقد ذمه اللّه عزّ وجلّ ، والرسول صلّى اللّه عليه وسلم وسخطه اللّه عزّ وجلّ ، وسخط على من اعتقده ، أخبرك بذلك في غير موضع في كتابه ، يذم أهل الحسد ، ويخبرك أن الأمم الماضية هو الذي فرق بينها ، وألقى الاختلاف في دينها .
ولو لم تخف عليك عقوبة آخرة ولا دنيا ولم يكن عليك فيه إثم ؛ كان
هامش
( 1 ) فاطر : 43 .