الذي يوجب سخط اللّه عزّ وجلّ - بغير منفعة في دين ولا دنيا نالها - مؤمن عاقل .
وأيسر من ذلك كله أن لو كان الذي تحسده أبغض الناس إليك وأشدّهم عداوة لك أنه لا تزول النعمة عنه بحسدك له ؛ لأن اللّه عزّ وجلّ لو أطاع الحاسدين في المحسودين لما أبقى عليهم نعمة ، ولكن يمضى نعمه وقسمه لعباده ، ولا ينظر إلى حسد الحاسدين . ولو فعل بالمحسودين ما يحبّ الحاسدون لهم ، لما بقي على النبيين صلوات اللّه عليهم أجمعين نعمة ، ولأفقر الأغنياء لحسدهم لهم ، ولأضلّ المؤمنين لحسد الكافرين لهم ، ولكن الحسد على الحاسد ضرره ، والنعمة جارية على من أراد اللّه عزّ وجلّ أن يتمّها عليه إلى الوقت الذي أراده وقدره ، ولا ينظر إلى حسد الحاسدين .
ألا ترى إلى قوله عز وجل :
وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ
« 1 » .
فبمحبتهم أن يضلّوا المؤمنين ضلّوا بذلك ، لأن تلك المحبة لهم ضلال ؛ لأنهم أحبّوا أن يرجع المؤمنون ضلّالا ، وذلك هو الضلال : أن يكفر باللّه عزّ وجل ، فمن أحب أن يكفر باللّه تعالى فهو كافر ، فازدادوا كفرا بحسدهم مع غشهم للنبي صلّى اللّه عليه وسلم والمؤمنين .
وإنما مثل الحاسد فيمن عاداه أو باهاه أو تكبّر عليه أو تعجّب عليه أو تفضّل عليه ، مثل رجل أراد أن يرمى عدوا له بحجر ، فلما رماه له رجع الحجر على عين الرامي فأصابها ، وأعاد الرمي فرجع الحجر أيضا على عينه فأصابها ، حتى فعل ذلك مرارا ، كل ذلك لا يصيب عدوّه ، ويرجع الحجر عليه فيقع بعينه ، وكذلك إن رماه بسهم أو بغير ذلك ، كل ذلك يرجع على عينه ولا يصيب
هامش
( 1 ) آل عمران : 69 .