من بعضهم إلى بعض أسرع منه إلى غيرهم ، يحسد القوم عالمهم ويعظّمون العالم الغريب ؛ لأنه ليس مثلهم ولا يساويهم في النسب أو الجوار .
ومن ذلك ما يروى : أن كعبا قال لأبى مسلم الخولاني : كيف أنت في قومك ؟ قال : مطاع ، قال : كذبتني إذا التوراة ، ما من حكيم في قوم إلا حسدوه وكبروا عليه .
ومن ذلك ما يروى هشام بن عروة عن أبيه قال : كان يقول لنا : يا بنىّ إنه كان يقال : إن أزهد الناس في العالم أهله ، فقد يكون ذلك من الحسد ويكون من غيره وقد يزهد القوم في الرجل يكون منهم ؛ حسدا له ، فيحسد القوم العالم منهم إنكارا وتعجبا ، كيف يفضلهم من هو مثلهم ومنهم ؟ .
وكذلك الشركاء ، وكذلك من النساء الضرائر ، ومنه قول أم رومان لعائشة قالت لها لما رماها أهل الإفك : يا بنيّة ، خفّضى عليك الشأن - أي هوني عليك هذا الأمر - فإنه قلّ امرأة وضيئة عند رجل لها ضرائر إلا أكثرن عليها « 1 » .
وكذلك المشتركات في عامة الأشياء ، من النسب والتجارة والبضاعة والشجاعة والجمال والقوة والصوت والعمل والعلم ، يسرع الحسد من بعضهم إلى بعض ما لا يسرع منهم إلى غيرهم .
فهذه مذاهب الحساد .
فجملة الحسد المحرم من الحاسد : كراهة ما يرى من غيره من النعم ، وحبّ
هامش
( 1 ) هذا جزء من حديث الإفك من رواية السيدة عائشة ، أخرجه البخاري في الشهادات 5 / 269 - 272 ( 2661 ) ، وفي المغازي 7 / 431 - 435 ( 4141 ) ، وفي تفسير سورة النور 8 / 452 - 455 ( 4750 ) و 487 ( 4757 ) ، ومسلم في التوبة 4 / 2129 - 2137 ( 2770 / 56 ) ، والترمذي في تفسير سورة النور 9 / 29 - 36 ( 3230 ) ، وأحمد 6 / 60 ، 195 ، 198 .