فكيف لها بأن تعرف غرّتها ، وتنفيها وتجانبها بعد معرفتها ؟ والنفي بعد المعرفة على هذا أيسر ، إذ عرفت غرّتها ، لأنها قد تحملت من المكروه ما هو أشدّ من النفي .
قال : لا تفعل ، فإن مجانبة الهوى مع العمل اليسير أعظم وأشدّ على النفس من تحمل المكروه والشدائد في الأعمال الكثيرة إذا كان معها الهوى .
قلت : فبيّن لي غرتها ، فإنها على حال نفى الغرّة عليها أسهل .
قال : أجل ، لأنها أسخى المغترّين أنفسا بالأعمال ، وأشدّهم تحمّلا للمكروه في ظاهر الطاعات .
فالذي تعرف به غرّتها أن ترجع إلى أنفسها ، بدعائها إلى العزم على طلب التقوى ، وتعريف النفس أنها أصل الطاعات ، ولا تزكو الأعمال إلا بها ، حتى إذا عرفتها ما هي في السرّ والعلانية ، امتحنت أنفسها عند دواعيها إلى كل خير وشر في باطنها حتى تعلم : هل طهرت قلوبها من كل مكروه يكره اللّه عز وجل ؟ ، وهل طهرت جوارحها من معاصي اللّه عز وجل ؟ ، وما الذي هو أولى بها أن تبدأ به في الوجوب من الفروض عليها ؟
فمن كان منها متقلّلا من الدنيا ، من غذائها ولباسها ، نظر : كيف صحة معاشه ؟ فإن كان صحيحا طيبا نظر : هل ترك شيئا يجب عليه فضيّعه مع تقلّله ؟
وكيف ضميره وحركات جوارحه في ليله ونهاره ؟
فإن رآه غير قائم بحق اللّه عزّ وجل في ذلك أو في عامته ، علم أنه قد كان يرى أنه كان من الزاهدين ، وهو عند اللّه عزّ وجل من الفاجرين ، فإذا تفقّد نفسه علم أنه كان مضيعا للتقوى مع تزهّده ، وأنه كان مخدوعا مغرورا .
الرعاية لحقوق الله — صفحة 588
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص٥٨٨