فاعملوا به ، وما نهيتهم عنه فانتهوا عنه » « 1 » .
ثم هو في نفسه صلّى اللّه عليه وسلم قد بعث إلى جميع أهل الأديان ، فما جادلهم إلا بما تلا عليهم من التنزيل ، ولو شاء كلّمهم بالمقاييس ودقيق الكلام ، ولو كان ذلك هدى كان هو أولى به وعليه أقوى ، فلم يقم الحجة إلا بالتنزيل ، وأضرب عن جدلهم بالدقائق ، وعلم أن ذلك للّه عز وجل رضى ومحبة ، فترك الجدل والخصومات من السنة .
ويرجع إليها أيضا بأخرى من التذكرة : إنّى لو نجوت وعطب أهل الأرض من أهل الأهواء ما ضرّنى ذلك ، ولو عطبت ونجوا ما نفعني ، فإقامتى الحجة عليهم وتركى أن أقيم الحجّة على نفسي للّه عزّ وجلّ في تضييعى أمره - حتى أؤدي ما أمرني به ربّى ، وانتهى عمّا نهاني عنه وأربح أيام عمرى ليوم فقرى وفاقتي - أولى بي ، فقد شغلونى عن نفسي وعن العمل في نجاتي .
ومع ذلك ما يؤمننى أن أقيم الحجّة ببعض التأويل والقياس ، أرى أنه هدى وهو عند اللّه عزّ وجلّ ضلال وكذب عليه ، وقد تبين لي ذلك فيما مضى من عمرى ، قد كنت أقول القول ثم يتبين لي أنه خطأ ، فأرجع عنه ، فما كانت حالي عند ربى لو أقمت على حالي تلك ؟ وكذلك لا آمن مثلها ثم أموت عليها قبل أن أعرف خطئى ، فإذا أنا قد أهلكت نفسي بطلبى نجاة غيرى .
ومع ذلك أنه لو كانت المجادلة من السنّة ، ولم أكن أشتغل بها عن العمل لآخرتى ، وأمنت الخطأ في حجاجى ؛ لما كان لكلامهم موضع فيه مزدجر في آخرتى ، إذ لم أر أحدا منهم رجع عن قوله ، ولا تاب من بدعته ، فلو كان
هامش
( 1 ) الحديث عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص ، أخرجه ابن ماجة في المقدمة 1 / 33 ( 85 ) ، وصححه البوصيري في الزوائد ، وأخرجه أحمد 2 / 178 ، 196 .