عما هو أولى بها ، فإنما تنفى غرّتها بذلك بأن تعلم أن اللّه عز وجل تعبد من مضى بما تعبدها به وقد أدرك كثير منهم ناسا من أهل البدع والأهواء ، فما جعل عمره ولا دينه غرضا لخصومات ، ولا اشتغل بذلك عن النظر لنفسه ، والعمل ليوم فقره ، إلا أن يرى موضع حاجة يظن أنه إن تكلم بالحق قبل منه ، فيقول بالحق ويحذر أن يخطئ على اللّه عز وجل ، فيرد الباطل بالباطل ، فكانوا على ذلك ، وذمّوا الجدل والخصومات ورووا عن نبيهم صلّى اللّه عليه وسلم ، رواه عنه أبو أمامة أنه قال : « ما ضلّ قوم قط إلا أوتوا الجدل » « 1 » .
وذم اللّه عز وجل ذلك فقال :
وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ
« 2 » .
وقال تعالى لقريش :
بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ
« 3 » ، فذمّ المراء والجدل .
فليرجع المؤمن إلى نفسه فليقل لها : إنما تدعين إلى الاتباع والسنة بجدلك لأهل الأهواء ، ودعاؤك لهم بالجدل والمراء ترك للسّنة « 4 » ؛ لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلم نهى بسنته عن الجدل والخصومات ، وغضب على أصحابه ، حتى كأنما فقئ في وجهه حبّ الرّمّان ، حمرة من الغضب ، إذ خرج عليهم وهم يختصمون ، وهم كانوا أولى الخلق بالفهم والبصر بالحجاج فقال : « أبهذا بعثت أم بهذا أمرتم : أن تضربوا كتاب اللّه عز وجل بعضه ببعض ؟ انظروا إلى ما أمرتم به
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد 5 / 552 ، 556 ، والترمذي - وقال : حسن صحيح - في تفسير سورة الزخرف 9 / 130 ( 3306 ) ، وابن ماجة في المقدمة 1 / 19 ( 48 ) ، والطبراني في الكبير 9 / 333 ( 8067 ) ، وصححه الحاكم 2 / 447 ، 448 ووافقه الذهبي .
( 2 ) البقرة : 204 .
( 3 ) الزخرف : 58 .
( 4 ) قال وكيع بن الجراح : « من طلب الحديث كما جاء فهو سنة ، ومن طلبه يقوى به رأيه فهو صاحب بدعة » [ سير أعلام النبلاء 9 / 144 ] .