وروى عنه أيضا أن رجلا سأله عن شئ فأفتاه فيه بفتيا ، فقال له الرجل :
إن فقهاءنا لا يقولون ذلك . فقال الحسن : وهل رأيت فقيها قط ؟ الفقيه يدارى ولا يمارى ، ينشر حكمه اللّه عز وجل ، فإن قبلت حمد اللّه تعالى ، وإن ردّت حمد اللّه تعالى .
يخبر أن الفقيه من فقه عن اللّه عزّ وجلّ ، فعظمه بقلبه ، وأيقن أنه لا نافع ولا ضار غيره ، فهان عليه شأن الخلق ، فلم يخفهم ، فيداهنهم ، فيكتم ما علّمه اللّه من حكمته ، ولكن أظهرها ، فإن قبلت حمد اللّه عزّ وجلّ ، إذ أخذ عنه ما يؤجر فيه ، ووفق عباده لقبول الحق ، ولم يفرح لقيام المنزلة عندهم .
وإن ردّت حمد اللّه عز وجل ، إذ وفقه لنشر الحق فآجره .
وإن ردّه الخلق ، لم يغتم لسقوط منزلته عندهم ، ولا ذمّهم ولا خافهم دون ربه عز وجل قائم بما عليه حامد له على كل حال ، متوكل عليه دون خلقه .
فإذا عرف العبد ذلك وألزمه قلبه ، اهتم بالخوف من اللّه عز وجل فيما فقه وعلم فإذا اهتم بالخوف من اللّه عز وجل فيما فقه وعلم ، اهتم بالعمل فيما علمه اللّه عز وجل وفقه فإذا اهتم بطلب الخوف والعمل للّه عز وجل ، اهتم بالفقه عنه بطلب الخوف منه ، فحينئذ يعدّ نفسه من الجهال المضيعين ، حتى يرى نفسه خائفة راجية قائمة بأمر اللّه عز وجل ، في نفسه وفي خلقه ، لأن الفقهاء الأمر عليهم أعظم منه على الجهال ؛ لأن اللّه عز وجل أوجب عليهم أن يقوموا به في أنفسهم وفي الخلق ؛ لأنه أخذ عليهم الميثاق فيما علمهم أن يبينوه للناس ولا يكتموه .
فإذا علم ذلك زال عنه الاغترار باللّه عز وجل ، فلزم قلبه الحذر والخوف فيما علم ليقوم للّه عز وجل به ، ويتفقد حق اللّه سبحانه في ظاهره وباطنه ،
الرعاية لحقوق الله — صفحة 570
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص٥٧٠