فمن أراد اللّه عز وجل به خيرا وفقه للفقه عنه ، والفقه فيما أحل وحرّم ، فخافه ورجاه فجانب ما علم من الحرام ، وقام بما علم من واجب الحق للّه عز وجل عليه .
ومن ضيّع حق اللّه تعالى وركب ما نهى عنه بعد معرفة به ، فلم يوفق للخير ، ولكن ابتلى بما عظمت عليه فيه الحجّة ، واشتد عليه به البلاء ، وصار به من فجّار العلماء بالحكم والفتيا مع التعرض لغضب اللّه عز وجل .
وقد يطلب بما يفقه الدنيا لا الآخرة ، فإذا عرف ذلك لم يعد نفسه فقيها بغير خشية للّه عز وجل ، كما روى عن الشعبي أنه قيل له : أفتنا أيها العالم .
يدلك هذا أنهم يعلمون أنه عالم بالفتيا ، فأجابهم : إن العالم من فقه عن اللّه عز وجل ما توعده به فخافه . وقال : إنما العالم من خشي اللّه « 1 » .
وقيل للحسن البصري : إن فقهاءنا لا يقولون ذلك - في شئ استفتى فيه - فقال لسائله : وهل رأيت فقيها قط ؟ الفقيه القائم ليله ، والصائم نهاره ، الزاهد في الدنيا « 2 » .
يخبرك أن الفقيه من فقه عن اللّه عز وجل ، فأزعجه ذلك إلى كل ما أحب ربه عز وجل ، حتى زهد في الدنيا ، فجانبها بما فقه عن اللّه عز وجل في فنائها ، وشدة الحساب عليها ، ونقصان من ركن إليها من أوليائه من الثواب ، وعذاب من ركن إلى حرامها من أعدائه ، وفقه عنه ما أخبر به من دوام نعيمه وجزيل ثوابه ، فأسهر ليله ، وصام نهاره ، ورفض الدنيا ، ليناله .
هامش
( 1 ) أخرجه أبو نعيم في الحلية 4 / 311 .
( 2 ) الذي قال له ذلك عمران المنقري ، كما أخرجه الدارمي في المقدمة 1 / 101 ( 294 ) ، وأبو نعيم في الحلية 2 / 147 . وأخرجه ابن المبارك في زوائد الزهد ص 8 ( 30 ) .