وإذا عرف كثرة ذنوبه واستعظمها ، ثم قنط ، لم ير أنه يقبل منه التوبة ، فأقام عليها ، فأمسك عن العمل للّه عز وجل بالطاعة فيهلك .
فدلّ ابن مسعود بقوله هذا : أن في العجب الهلاك ، لأنه إذا أعجب زكى نفسه ، فإذا زكاها لم يتّهمها ، ولم تعظم عليه مخالفتها أمر ربها ، وظن أنها ناجية .
ألا ترى إلى قول اللّه عز وجل :
فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ
« 1 » .
قيل في التفسير : لا تبرئوها . فكيف يتهمها وهي عنده بريئة فإذا لم يتهمها كيف يفطن لعيوبها ؟ .
وقوله جل ثناؤه :
فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ
قال زيد بن أسلم : لا تبرئوها .
وقال ابن جريح : يقول لا تعملوا بالمعاصي وتقولوا : نعمل بالطاعة ، وقال مطرف : لأن أبيت نائما وأصبح نادما أحب إلىّ من أن أبيت قائما وأصبح معجبا « 2 » .
فيجمع العجب خصالا شتى : يعمّى عليه كثير من ذنوبه ، وينسى مما لم يعمّ عليه منها أكثرها ، وما ذكر منها كان له مستصغرا ، وتعمى عليه أخطاؤه وقوله بغير الحق ، ويخرجه ذلك إلى الكبر والتعظيم على العباد ، ويغتر باللّه عز وجل ويدل عليه بعمله وعلمه ، حتى كأن له منة على ربه عز وجل فحينئذ ينقطع عن اللّه عز وجل عصمته ، ويكله إلى نفسه ، فيرى أنه من المحسنين وهو عند اللّه من الظالمين الفاسقين .
ألا ترى إلى ما يروى عن عائشة رضى اللّه عنها أنه قيل لها : متى يكون الرجل مسيئا ؟ قالت : إذا ظن أنه محسن .
هامش
( 1 ) النجم : 32 .
( 2 ) أخرجه ابن المبارك في الزهد ص 151 ( 448 ) ، وأبو نعيم في الحلية 2 / 200 .