باب ما يؤدى إليه معرفة النفس وشرح العجب والإدلال بالعمل
قلت : قد عرفتني نفسي وحذرتها ، فأخبرني ما الذي يؤدى إليه معرفتها ؛ بعد وصفك الرياء وأسبابه ، ولم يكن بي عنه غنى ؟ وإن عرفتها فما ينفعني أن أعرف عدوى ولا أعرف مكائده ولا يكون معي آلة لمجاهدته ، فأخبرني بالعجب ما هو ، وفيما هو ، وفيما ينفى ويتقى ؟
قال : إنك سألت عن آفة في كثير من العباد عظيمة ، معمية عليهم ذنوبهم ومزيّنة لهم خطأهم وزللهم ، لأن العجب يعمى القلب ، حتى يرى المعجب أنه محسن وهو مسئ ، وأنه ناج وهو هالك ، وأنه مصيب وهو مخطئ ، ولا يلبث صاحبه المعتقد له أن يركن إلى الغرة ، فيستصغر ما علم به من ذنوبه وزلله ، وينسى كثيرا منها ، ويعمى عليه أكثرها ، حتى لا يظنه ذنبا ، فيستكثر عمله ، فيغتر به ، فيقل خوفه ، ويشتد باللّه عز وجل غرته ، بل قد يخرج صاحبه به إلى الكذب على اللّه عز وجل وهو يرى أنه عليه صادق ، وإلى الضلالة وهو يرى أنه مهتد .
فبالعجب هلك أئمّة الضلالة ، وبالعجب تكبر المتكبرون ، وافتخر المفتخرون ، واختال المختالون ، وبه هلاك آخر هذه الأمة .
ومما يدلّك على ذلك قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم - وذكر آخر هذه الأمة - فقال لأبى ثعلبة : « إذا رأيت شحا مطاعا ، وهوى متبعا ، وإعجاب كل ذي رأى برأيه ؛