ألم تسمع إلى حديث أبي موسى ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « مثل صاحب السوء كمثل صاحب الكير » يعنى الحداد « إن لم يحرقك بشرره يعلق بك من ريحه » « 1 » .
وكذلك هو كما قال : إن لم تعص اللّه عزّ وجلّ معه لم تعدم معه قسوة قلبك ولهوه واشتغاله ، فليس من كان لك هكذا بأخ ، ولكن هو لك عدو ، وهو أضرّ عليك في دينك ممن تعادى .
وإنما الناس أربعة رجال : رجل لا تعرفه ، أو تعرفه ولا تصاحبه ، ورجل مبتدع ، ورجل فاسق ، ورجل عندك مستور وأنت له مصاحب .
فالمبتدع قلبك منه نافر ، والفاسق كذلك ، ولو دعواك إلى الحقّ لم تمل نفسك إليهما : فكيف تخوض معهما فيما لا يعنيك ، ومن لا تصاحبه ولا تعرفه فلست تحادثه ، فلا تؤانسه ، فهؤلاء كلهم لا تغتش بهم ؛ ولا يستريح قلبك إليهم ، فتغفل بهم حتى تتكلم بما يكره ربك عزّ وجلّ .
وإنما يؤتى من الصاحب الذي هو شكلك ومثلك وأنيسك ، فيستريح قلبك إليه ، ويغفل معه حتى تعصى اللّه عزّ وجلّ ، وأنت غافل لا تذكر اللّه عزّ وجلّ ، أو تذكره ولا تبالى لغلبة الهوى فيه وفي محادثته ، وهو من مكائد إبليس وحبائله ، يخيلك به حتى يوقعك في حبائله ، لأنه شكلك وأنيسك ومثلك ، وهو أرفق من الصياد الرفيق .
ألا ترى أن الصياد لا يحتال للغربان ، فيصنع شباكا ، ليصيدها به من
هامش
( 1 ) حديث أبي موسى في الجليس الصالح والجليس السوء ، أخرجه البخاري في البيوع 4 / 323 ( 2101 ) ، وفي الذبائح 9 / 660 ( 5534 ) ، ومسلم في البر والصلة 4 / 2026 ( 2628 / 146 ) ، وأحمد 4 / 404 ، 405 ، 408 .