قلت : والأسباب التي يكون عنها الخطأ والزلل ، مثل أي شئ هو من الأسباب ؟ .
قال : كالرجل يشكو حبّ النظر إلى ما لا يحل ، وهو يجلس على الطريق يتحدث ، أو يستريح إلى ذلك ، ويكثر لقاء الإخوان ، فكلما جلس على الطريق وهو ينوى ألا ينظر فجأه ما يهيج شهوته على النظر ، فتغلبه نفسه فينظر ، ثم يرجع فيندم ويتوب ، ثم يعاود الجلوس ، فيصيبه مثل ذلك ، وإذا قطع الجلوس ولزم منزله أو مسجده سقط عنه السبب الذي كان يفتنه ، وصار في تلك الخصلة مع ضعفه أقوى من القوى الذي يعرض نفسه للفتنة بالجلوس ، لأن الضعيف إذا قطع السبب الذي يؤتى من قبله صار أقوى من القوىّ الذي يتعرض للسبب الذي يفتنه ؛ وكذلك الخروج في الحوائج التي لا تجب عليه ، فتركها أقطع عنه لسبب فتنته .
قلت : فإن كانت حاجة فيها بر وطاعة ؟
قال : إن كانت واجبة فليخرج لها ، ولا يعصى ربّه عزّ وجلّ بشك ، لا يدرى ، أيكون أم لا يكون ؛ لأن تركه للذهاب معصية ، والنظر منه لم يكن بعد ، ولا يدرى أيكون أم لا يكون ، بل إن ذهب ، واللّه عزّ وجلّ يعلم منه أنه لو كان الذهاب لراحة نفسه ، أو حاجة له فيها لذة ، لما ذهب ، إبقاء على دينه ، لئلا ينظر إلى ما كره ربّه عزّ وجلّ ، ولولا أداء واجب حقّ اللّه عزّ وجلّ ما ذهب ، فإذا علم اللّه عزّ وجلّ منه الصدق في ذلك : من خوفه من النظر كراهة أن يسخط اللّه عزّ وجلّ ، فذهب للّه عزّ وجلّ ، ولولاه ما ذهب ، وتوكل على اللّه عزّ وجلّ ، فإن اللّه يعصمه إذا علم أنه لا يذهب من أجل راحة نفسه ، فإذا ذهب على ذلك ، كان اللّه عزّ وجلّ أكرم من أن يخذله .
الرعاية لحقوق الله — صفحة 379
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص٣٧٩