تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوهابية في الميزان — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
تحصى ، وانتهكت بها أعراض لا تعدّ ، وتقاطعت فيها أرحام أمر اللَّه بها أن توصل ، عياذاً باللَّه من المزالق والفتن ، ولا سيّما فتن الشبهات . فاعلم أنّهم فسّروا العبادة بالإتيان بأقصى غاية الخضوع ، وأرادوا بذلك المعنى اللغوي ، أمّا معناها الشرعي فهو أخصّ من هذا كما يظهر للمحقّق الصبّار على البحث من استقراء مواردها في الشرع ، فإنّه الإتيان بأقصى غاية الخضوع قلباً باعتقاد ربوبية المخضوع له ، أو قالباً « 1 » مع ذلك الاعتقاد - و « أو » فيه للتقسيم - فإن انتفى ذلك الاعتقاد لم يكن ما أتى به من الخضوع الظاهري من العبادة شرعاً في كثير ولا قليل مهما كان المأتيّ به ولو سجوداً . ومثل اعتقاد الربوبية اعتقاد خصيصة من خصائصها كالاستقلال بالنفع والضرّ ، وكنفوذ المشيئة لا محالة ولو بطريق الشفاعة لعابده عند الربّ الّذي هو أكبر من هذا المعبود . وإنّما كفر المشركون بسجودهم لأوثانهم ودعائهم إيّاهم وغيرهما من أنواع الخضوع لتحقّق هذا القيد فيهم ، وهو اعتقادهم ربوبية ما خضعوا له ، أو خاصّة من خواصّها كما سيأتيك تفصيله . ولا يصحّ أن يكون السجود لغير اللَّه فضلًا عمّا دونه من أنواع الخضوع بدون هذا الاعتقاد عبادة شرعاً ، فانّه حينئذٍ يكون كفراً ، وما هو كفر فلا يختلف باختلاف الشرائع ، ولا يأمر اللَّه عزّ وجلّ به
« . . . قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ . . . »
« 2 » ،
« . . . وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ . . . »
« 3 » وذلك ظاهر إن شاء اللَّه . وها أنت ذا تسمع اللَّه تعالى قد قال للملائكة :
« . . . اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ . . . »
« 4 » وقال :
« . . . أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ . . . »
« 5 » . وقال :
« . . . أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً . . . » .
« 6 » والقول بأنّ آدم كان قبلة قول لا يرضاه
هامش
( 1 ) أي ظاهراً . ( 2 ) الأعراف : 28 . ( 3 ) الزمر : 7 . ( 4 ) البقرة : 34 . ( 5 ) الأعراف : 12 . ( 6 ) الإسراء : 61 .
الوهابية في الميزان — صفحة 198 | الشيخ جعفر السبحاني