بالضرورة ، كما حكموا بالإيمان - وهو معنى قلبي كما علمت - لمن نطق بالشهادتين من أجل أنّه دليل عليه ، لا لأنّ الأوّل بمجرده كفر والثاني بمجرده إيمان .
فإن تعسّر عليك فهم هذا وهو ليس بعسير إن شاء اللَّه تعالى ، فانظر إلى نفسك فإنّه قد يقضي عليك أدبك مع أبيك واحترامك له أن لا تسمح بالجلوس أو الاضطجاع بين يديه ، فتقف أو تقعد ساعة أو فوقها ، ولا يكون ذلك منك عبادة له ، لما ذا ؟ لأنّه لم يقارن هذا الفعل منك اعتقاد شيء من خصائص الربوبية فيه . وتقف في الصلاة قدر الفاتحة وتجلس فيها قدر التشهد وهو قدر دقيقة أو دقيقتين فيكون ذلك منك عبادة لمن صلّيت له ، وسرّ ذلك هو أنّ هذا الخضوع الممثّل في قيامك وقعودك يقارنه اعتقادك الربوبية لمن خضعت له عزّ وجلّ . وتدعو رئيسك في عمل من الأعمال أو أميرك أن ينصرك على باغ عليك ، أو يغيثك من أزمة نزلت بك وأنت معتقد فيه أنّه لا يستقلّ بجلب نفع أو دفع ضرّ ، ولكن اللَّه جعله سبباً في مجرى العادة يقضي على يديه من ذلك ما يشاء فضلًا منه سبحانه ، فلا يكون ذلك منك عبادة لهذا المدعو وأنت على ما وصفنا .
فإنّ دعوته وأنت تعتقد فيه أنّه مستقلّ بالنفع أو الضرّ أو نافذ المشيئة مع اللَّه ، لا محالة كنت له بذلك الدعاء عابداً ، وبهذه العبادة أشركته مع اللَّه عزّ وجلّ ، لأنّك قد اعتقدت فيه خصيصة من خصائص الربوبية ، فإنّ الاستقلال بالجلب أو الدفع ونفوذ المشيئة لا محالة هو من خصائص الربوبية ، والمشركون إنّما كفروا بسجودهم لأصنامهم ونحوه لاعتقادهم فيها الاستقلال بالنفع أو الضرّ ونفوذ مشيئتهم لا محالة مع اللَّه تعالى ، ولو على سبيل الشفاعة عنده ، فإنّهم يعتبرونه الربّ الأكبر ولمعبوداتهم ربوبية دون ربوبيّته ، وبمقتضى ما لهم من الربوبية وجب
الوهابية في الميزان — صفحة 200
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٢٠٠