تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوهابية بين المباني الفكرية والنتائج العملية — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
وقد بسط المحقّق تقي الدين السبكي - أحد كبار محقّقي أهل السنّة - الكلام في هذه الآية وذهب إلى أنّ حكمها يشمل المسلمين في الوقت الحاضر أيضاً ، ولا تختص الآية بعصر الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فقط ، إذ بإمكان المسلمين أن يأتوا إليه الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ويطلبوا منه أن يستغفر اللّه لهم . ومن كلامه في هذا المجال قوله : « دلّت الآية على الحثّ على المجيء إلى الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والاستغفار عنده واستغفاره لهم ، وذلك وإن كان ورد في حال الحياة ، فهي رتبة له ولا تنقطع بموته تعظيماً له » . قد ( « 1 » ) يقال : صحيح انّ الآية المذكورة والآيات الأُخرى نازلة في حقّ الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لبيان عظمته ومنزلته السامية ، ولكن من الناحية الواقعية والعملية أنّ الإتيان إلى الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والاستغفار عنده وطلب الاستغفار منه ممكن في حال حياته ، وأمّا بعد رحيله إلى الرفيق الأعلى أصبح هذا الأمر من الأُمور المتعذّرة التي لا يمكن القيام بها حتّى إذا أراد الإنسان ذلك . والجواب : انّ الإشكال غير وارد وانّ الحقّ مع العلّامة السبكي ، وذلك لأنّ الدليل على شمولية الآية لحياته ومماته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لا ينحصر في هذه الآية فقط ، بل هناك أدلّة كثيرة تدلّ على أنّ حياته ومماته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على السواء ، ومن هذه الأدلّة : الأوّل : انّ القرآن الكريم يصرّح بأنّ الموت ليس نهاية الحياة وانعدام الإنسان ، بل هو في الواقع نافذة تطل على حياة أُخرى أوسع وأشمل وأفضل من هذه الحياة الدنيا ، وانّ الإنسان في ذلك العالم حيّ يسمع ويرى ، وخاصة الشهداء الذين ما تسقط منهم قطرة من دمائهم حتّى تتلقّاهم الملائكة بالبشرى والنعيم الدائم واللّذات الروحية التي لا يحصيها إلّا واهبها ، وقد ورد في هذا المجال
هامش
( 1 ) . شفاء السقام : 81 .
الوهابية بين المباني الفكرية والنتائج العملية — صفحة 166 | الشيخ جعفر السبحاني