تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
وخيرتي ورضا نفسي ، أفيض عليه روحي » أو قال : « أنزل عليه روحي ، فيظهر في الأمم عدلي ويوصي الأمم بالوصايا ، لا يضحك ، ولا يسمع صوته ، يفتح العيون العمى العور ، ويسمع الآذان الصم ، ويحيي القلوب الغلف ، وما اعطيه لا أعطي غيره ، لا يضعف ولا يغلب ، ولا يميل إلى اللهو ، ولا يسمع في الأسواق صوته ، ركن للمتواضعين ، وهو نور اللّه الذي لا يطفى ولا يخصم ، حتى يثبت في الأرض حجتي ، وينقطع به المعذرة » فمن وجد بهذا الوصف غير محمد ابن عبد اللّه صلوات اللّه وسلامه عليه ؟ فلو اجتمع أهل الأرض لم يقدروا أن يذكروا نبيا جمع هذه الأوصاف كلها - وهي باقية في أمته إلى يوم القيامة - غيره لم يجدوا إلى ذلك سبيلا فقوله « عبدي » موافق لقوله في القرآن :
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا
[ البقرة : 23 ] ، وقوله :
تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً
[ الفرقان : 1 ] ، وقوله :
وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ
[ الجن : 19 ] ، وقوله :
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا
[ الإسراء : 1 ] ، وقوله « وخيرتي ورضا نفسي » مطابق لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه اصطفى كنانة من ولد إسماعيل ، واصطفى قريشا من كنانة ، واصطفى بني هاشم من قريش ، واصطفاني من بني هاشم » وقوله « لا يضحك » مطابق لوصفه الذي كان عليه صلى اللّه عليه وسلم ؛ قالت عائشة : « ما رؤي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ضاحكا حتى تبدو لهواته ، إنما كان يتبسم تبسما » وهذا لأن كثرة الضحك من خفة الروح ونقصان العقل ؛ بخلاف التبسم فإنه من حسن الخلق وكمال الإدراك ، وأما صفته صلى اللّه عليه وسلم ، في بعض الكتب المتقدمة بأنه « الضحوك القتال » فالمراد به أنه لا يمنعه ضحكه وحسن خلقه إذا كان حدا للّه وحقا له ، ولا يمنعه ذلك عن تبسمه في موضعه ، فيعطي كل حال ما يليق بتلك الحال فترك الضحك بالكلية من الكبر والتجبر وسوء الخلق ، وكثرته من الخفة والطيش ، والاعتدال بين ذلك وقوله : « أنزل عليه روحي » مطابق لقوله تعالى :
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا
[ الشورى : 5 ] ، وقوله :
يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ
[ النحل : 2 ] ، وقوله :
يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ
[ غافر : 15 ] ، فسمى الوحي روحا لأن حياة القلوب والأرواح به ، كما أن حياة الأبدان بالأرواح . وقوله « فيظهر في الأمم
هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى — صفحة 90 | ابن قيم الجوزية