تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
عرفوا حقيقة المخلوقات ، ولا ميزوا بين الشياطين والملائكة وبين الأرواح الطيبة والخبيثة ، وبين أحسن الحسن وأقبح القبيح ، ولا عرفوا كمال النفس وما تسعد به ونقصها وما تشقى به . وأما « النصارى » فقد عرفت ما الذي أدركوه من معبودهم وما وصفوه به وما الذي قالوه في نبيهم ، وكيف لم يدركوا حقيقته البتة ، ووصفوا اللّه بما هو من أعظم العيوب والنقائص ، ووصفوا عبده ورسوله بما ليس له بوجه من الوجوه ، وما عرفوا اللّه ولا رسوله ، والمعاد الذي أقروا به لم يدركوا حقيقته ولم يؤمنوا بما جاءت به الرسل من حقيقته ، إذ لا أكل عندهم في الجنة ولا شرب ولا زوجة هناك ولا حور عين يلذ بهن الرجال كذاتهم في الدنيا ، ولا عرفوا حقيقة أنفسهم وما تسعد به وتشقى ، ومن لم يعرف ذلك فهو أجدر أن لا يعرف حقيقة شيء كما ينبغي البتة ، فلا لأنفسهم عرفوا ولا لفاطرها وبارئها ، ولا لمن جعله اللّه سببا في فلاحها وسعادتها ، ولا للموجودات وأنها جميعها فقيرة مربوبة مصنوعة ناطقها وصامتها آدميها وجنيها وملكها ، فكل من في السماوات عبده وملكه ، وهو مخلوق مصنوع مربوب فقير من كل وجه ، ومن لم يعرف هذا لم يعرف شيئا .

[ غباوة اليهود ونقضهم للعهود وتحريفهم وحسدهم . . هو الغاية ] [ اليهود قتلة الأنبياء ، وأكلة الربا والمنفردون بغاية الخبث والبهت . . . ]

وأما « اليهود » فقد حكى اللّه لك عن جهل أسلافهم وغباوتهم وضلالهم ما يدل على ما وراءه من ظلمات الجهل التي بعضها فوق بعض ، ويكفي في ذلك عبادتهم العجل الذي صنعته أيديهم من ذهب ، ومن عبادتهم أن جعلوه على صورة أبلد الحيوان وأقله فطانة الذي يضرب المثل به في قلة الفهم ، فانظر إلى هذه الجهالة والغباوة المتجاورة للحد كيف عبدوا مع اللّه إلها آخر وقد شاهدوا من أدلة التوحيد وعظمة الرب وجلاله ما لم يشاهده سواهم ؟ ! وإذا قد عزموا على اتخاذ إله دون اللّه فاتخذوه ونبيهم حي بين أظهرهم لم ينتظروا موته ! وإذ قد فعلوا فلم يتخذوه من الملائكة المقربين ولا من الأحياء الناطقين بل اتخذوه من الجمادات ! وإذ قد فعلوا فلم يتخذوه من الجواهر العلوية كالشمس والقمر والنجوم بل من الجواهر الأرضية ! وإذ قد فعلوا فلم يتخذوه من الجواهر التي
هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى — صفحة 224 | ابن قيم الجوزية