تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
[ الأنعام : 91 ] ، ولا سيما على قراءة من قرأ بتاء الخطاب ؟ وهل ذلك صالح لغير اليهود ؟ فإنهم كانوا يخفون من الكتاب ما لا يوافق أهواءهم وأغراضهم ، ويبدون منه ما سواه ، فاحتج عليهم بما يقرون به من كتاب موسى ، ثم وبخهم بأنهم خانوا اللّه ورسوله فيه ، فأخفوا بعضه وأظهروا بعضه ، وهذا استطراد من ذكر جحدهم النبوة بالكلية ، وذلك إخفاء لها وكتمان إلى جحد ما أقروا به كتابهم بإخفائه وكتمانه ، فتلك سجية لهم معروفة لا تنكر ، إذ من أخفى بعض كتابه الذي يقر بأنه من عند اللّه ، كيف لا يجحد أصل النبوة ؟ ! ثم احتج عليهم ، بأنهم قد علموا بالوحي ما لم يكونوا يعلمونه هم ولا آباؤهم ، ولولا الوحي الذي أنزله على أنبيائه ورسله لم يصلوا إليه ، ثم أمر رسوله أن يجيب عن هذا السؤال ، وهو قوله :
مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى
[ الأنعام : 91 ] ، فقال
قُلِ اللَّهُ
: أي اللّه الذي أنزله ، أي إن كفروا به وجحدوه فصدق به أنت وأقربه :
ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ
؟ [ الأنعام : 91 ] ، جواب هذا السؤال أن يقال : أن اللّه سبحانه احتج عليهم بما يقر به أهل الكتابين وهم أولو العلم دون الأمم التي لا كتاب لها ، أي إن جحدتم أصل النبوة وأن يكون اللّه أنزل على بشر شيئا فهذا كتاب موسى تقر به أهل الكتاب وهم أعلى منكم فاسألوهم عنه ، ونظائر هذا في القرآن كثيرة يستشهد سبحانه بأهل الكتاب على منكري النبوات والتوحيد ، والمعنى إنكم إن أنكرتم أن يكون اللّه أنزل على بشر شيئا فمن أنزل كتاب موسى ؟ فإن لم تعلموا ذلك فاسألوا أهل الكتاب ؛ وأما قوله تعالى :
تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً
[ الأنعام : 91 ] ، فمن قرأها بالياء فهو إخبار عن اليهود بلفظ الغيبة ، ومن قرأها بلفظ التاء للخطاب فهو خطاب لهذا الجنس الذي فعلوا ذلك أي تجعلونه يا من أنزل عليه كذلك ، وهذا من أعلام نبوته أن يخبر أهل الكتاب بما اعتمدوه في كتابهم ، وأنهم جعلوه قراطيس وأبدوا بعضه وأخفوا كثيرا منه ، وهذا لا يعلم من غير جهتهم إلا بوحي من اللّه ، ولا يلزم أن يكون قوله :
تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ
[ الأنعام : 91 ] ، خطابا لمن حكى عنهم أنهم قالوا :
ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ
[ الأنعام : 91 ] ، بل هذا استطراد من الشيء إلى نظيره وشبهه ولازمه ، وله نظائر في القرآن كثيرة كقوله تعالى :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ
،