تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢
ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً ، فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً
[ المؤمنون : 12 ] ، إلى آخر الآية ، فاستطرد من الشخص المخلوق من الطين وهو آدم إلى النوع المخلوق من النطفة وهم أولاده ، وأوقع الضمير على الجميع بلفظ واحد ، ومثله قوله تعالى :
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها ، فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ ، فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ، فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما ، فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
[ الأعراف : 189 - 190 ] ، إلى آخر الآيات ، ويشبه هذا قوله تعالى :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ، وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ ، وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها
[ الزخرف : 9 - 10 - 11 - 12 - 13 ] ، إلى آخر الآيات ، وعلى التقديرين فهؤلاء لم يتم لهم إنكار نبوة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ومكابرتهم إلا بهذا الجحد والتكذيب العام ، ورأوا أنهم إن أقروا ببعض النبوات وجحدوا نبوته ظهر تناقضهم وتفريقهم بين المتماثلين ، وأنهم لا يمكنهم الإيمان بنبي وجحد نبوة من نبوته أظهر وآياتها أكثر وأعظم ممن أقروا به . واخبر سبحانه أن من جحد أن يكون قد أرسل رسله وأنزل كتبه لم يقدره حق قدرة ، وأنه نسبه إلى ما لا يليق به بل يتعالى ويتنزه عنه ، فإن في ذلك إنكار دينه وإلهيته وملكه وحكمته ورحمته ، والظن السيئ به أنه خلق خلقه عبثا باطلا ، وأنه خلاهم سدا مهملا وهذا ينافي كماله المقدس وهو متعال عن كل ما ينافي كماله ، فمن أنكر كلامه وتكليمه وإرساله الرسل إلى خلقه فما قدره حق قدره ، ولا عرفه حق معرفته ، ولا عظمه حق عظمته ، كما أن من عبد معه إلها غيره لم يقدره حق قدره معطل جاحد لصفات كماله . ونعوت جلاله وإرسال رسله وإنزال كتبه ، ولا عظمه حق عظمته .
هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى — صفحة 222 | ابن قيم الجوزية