خلقت فوق الأرض عالية عليها كالجبال ونحوها بل من جواهر لا تكون إلا تحت الأرض والصخور والأحجار عالية عليها ! وإذ قد فعلوا فلم يتخذوه من جوهر يستغني عن الصناعة وإدخال النار وتقليبه وجوها مختلفة وضربه بالحديد وسبكه بل من جوهر يحتاج إلى نيل الأيدي له بضروب مختلفة وإدخاله النار وإحراقه واستخراج خبثه ! وإذ قد فعلوا فلم يصوغوه على تمثال ملك كريم ولا نبي مرسل ولا على تمثال جوهر علوي لا تناله الأيدي بل على تمثال حيوان ارضي ! وإذ قد فعلوا فلم يصوغوه على تمثال أشرف الحيوانات وأقواها وأشدها امتناعا من الضيم كالأسد والفيل ونحوهما بل صاغوه على تمثال أبلد الحيوان وأقبله للضيم والذل بحيث يحرث عليه الأرض ويسقى عليه بالسواقي والدواليب ولا له قوة يمتنع بها من كبير ولا صغير . فأي معرفة لهؤلاء بمعبودهم ونبيهم وحقائق الموجودات ؟ ! ! ! وحقيق بمن سأل نبيه أن يجعل له إلها فيعبد إلها مجعولا بعد ما شهد تلك الآيات الباهرات أن لا يعرف حقيقة الإله ولا أسماءه وصفاته ونعوته ودينه ، ولا يعرف حقيقة المخلوق وحاجته وفقره . ولو عرف هؤلاء معبودهم ورسولهم لما قالوا لنبيهم : ( لن نؤمن لك حتى نرى اللّه جهرة ) ولا قالوا له : ( اذهب أنت وربك فقاتلا ) ولا قتلوا نفسا وطرحوا المقتول على أبواب البرآء من قتله ونبيهم حي بين أظهرهم وخبر السماء والوحي يأتيه صباحا ومساء ، فكأنهم جوزوا أن يخفى هذا على اللّه كما يخفى على الناس ؟ ! ولو عرفوا معبودهم لما قالوا في بعض مخاطباتهم له : « يا ابانا انتبه من رقدتك ، كم تنام » ولو عرفوه لما سارعوا إلى محاربة أنبيائه وقتلهم وحبسهم ونفيهم ولما تحيلوا على تحليل محارمه واسقاط فرائضه بأنواع الحيل . ولقد شهدت التوراة بعدم فطانتهم وأنهم من الأغبياء ، ولو عرفوه لما حجروا عليه بعقولهم الفاسدة أن يأمر بالشيء في وقت لمصلحة ثم يزيل الأمر به في وقت آخر لحصول المصلحة وتبدله بما هو خير منه وينهي عنه ثم يبيحه في وقت آخر لاختلاف الأوقات والأحوال في المصالح والمفاسد ، كما هو مشاهد في أحكامه القدرية الكونية التي لا يتم نظام العالم ولا مصلحته إلا بتبديلها واختلافها بحسب الأحوال والأوقات والأماكن ، فلو اعتمد طبيب أن لا يغير الأدوية والأغذية بحسب اختلاف الزمان والأماكن والأحوال لأهلك الحرث والنسل وعد من الجهال ،
هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى — صفحة 225
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٢٢٥