تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية المرام في علم الكلام — صفحة 508

مساهمون:

ص٥٠٨

المسألة الرابعة : في الحاجة إلى الميل

قال أفضل المحقّقين : المحرّك إنّما يحرّك بتوسط الميل . وسبب احتياجه إليه أنّ الحركة لا تخلو عن حدّ ما من السرعة والبطء ؛ لأنّ كلّ حركة إنّما تقع في شيء ما يتحرّك فيه المتحرك ، مسافة كان أو غيرها ، وفي زمان ما . وقد يمكن أن يتوهم قطع تلك المسافة بزمان أقل من ذلك الزمان فتكون الحركة أسرع من الأولى ، أو بأكثر منه فتكون أبطأ منها . فإذن الحركة لا تنفك عن حدّ ما من السرعة والبطء ، والمراد منهما شيء واحد بالذات ، وهذه كيفية قابلة للشدة والضعف ، وإنّما يختلفان بالإضافة العارضة لهما ، فما هو سرعة بالقياس إلى شيء فهو نفسه بطء بالقياس إلى آخر . ولما كانت الحركة ممتنعة الانفكاك عن هذه الكيفية ، وكانت الطبيعة التي هي مبدأ الحركة شيئا لا يقبل الشدة والضعف ، وكانت نسبة جميع الحركات المختلفة بالشدّة والضعف إليها واحدة ، وكان صدور حركة معينة منها دون ما عداها ممتنعا - لعدم الأولويّة - فاقتضت أوّلا أمرا يشتدّ ويضعف بحسب اختلاف الجسم ذي الطبيعة في الكم ، أعني : الكبر والصغر ، أو الكيف ، أعني : التخلخل والتكاثف ، أو الوضع ، أعني : اندماج الأجزاء وانفشاشها « 1 » ، أو غير ذلك . وبحسب ما يخرج عنه « 2 » كحال ما فيه الحركة من رقّة القوام وغلظه ، وذلك الأمر هو الميل ، ثم اقتضت بحسبه الحركة . ولما كان هو السبب القريب للحركة انقسم بانقسامها ، فمنه ما يحدث من
هامش
( 1 ) - في المصدر : « انتفاشها » . ومثاله كشبر من الحديد يكون الميل فيه أكثر من الميل في شبر من العهن المنفوش . ( 2 ) - أي بحسب اختلاف أمور خارجة عن الجسم .