لأنّ ذلك يرجع إلى المحل ، لأنّ وجوده فيه ، ولأنّه لا يصحّ لهم إثبات القدرة ولا إضافتها إليها . لأنّه يقال لهم : لم صارت قدرة له ؟ فلا بدّ من أن يقولوا : لأنّه يكتسبه بها ؛ وعن ذلك سئلوا . وذلك رجوع منهم في تفسير كل واحد من الأمرين إلى صاحبه ؛ ويوجب أن لا يعرف الكسب وأحكامه من جهل المقدرة والعجز ( ق ، غ 8 ، 89 ، 12 )
- قول من حدّه ( الكسب ) : بأنّه ما وقع وهو مختار له وأنّه وقع وهو غير مكره عليه أو وقع من غير جهل وإكراه ؛ فاسد . لأنّ وقوعه وهو مختار لا يبيّن كسبه من كسب غيره ، لأنّ كل ذلك يقع وهو غير مريد له ؛ فإن رجع إلى أنّه يقع منه وهو مختار له ، بطل بما قدّمناه من الكشف عن الغرض بقولهم : وقع منه . لأنّهم إن أرادوا الحدوث ، فقد تركوا قولهم ورجعوا إلى ما نذهب إليه ؛ وإن أرادوا به الكسب ، فهو الذي حاولوا تفسيره . ولأنّ ، على مذهبم ، لا يصحّ أن يكون مختارا للفعل ؛ لأنّ ذلك إنّما يصحّ في القادر على الشيء وضدّه ، فيختار الشيء على غيره . فأمّا إذا استحال أن يريد إلّا شيئا مخصوصا ، لم يصحّ كونه مختارا . ولأنّ من قولهم : إنّ ما لا يريده ، لا يمكنه الانفكاك منه ، وقد فعل فيه القدرة الموجبة له . وكيف يقال : إنّه باختياره ؟ ولا يصحّ لهم القول : بأنّه غير محمول عليه ولا مكره ؛ بل يلزمهم كونه مضطرّا وممنوعا من غيره ، على ما نبيّنه من بعد . فكيف يصحّ لهم الاعتماد على ذلك في تحديد الكسب ؟ ( ق ، غ 8 ، 89 ، 18 )
- قول من حدّه ( الكسب ) : بأنّه ما يجب أن يفارق في الحدوث القدرة في محلّها ؛ لا يصحّ ، لما قدّمناه من أنّ إثباتهم القدرة على قولهم : لا يصحّ . ومن أنّه كان يجب أن لا يعرف الكسب وأحكامه ، من لا يعرف القدرة وأنّها حالة في محلّه . ولأنّه قد يقارن في الحدوث القدرة في محلّها اللون وغيره ، ولا يجب كونه كسبا ( ق ، غ 8 ، 90 ، 10 )
- أمّا الكسب ، فهو كل شيء من المنافع والمضارّ ، اجتلب بغيره . فلذلك يسمّى الربح كسبا للتاجر ؛ وسمّى اللّه ، تعالى ، ما اجتلبوا به عقاب النار ، كسبا . فقال
ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ
( الحج : 10 ) والفعل ، إذا وقع على هذا الوجه ، يسمّى كسبا ؛ ويسمّى المجتلب أيضا به كسبا ( ق ، غ 8 ، 163 ، 14 )
- قال ( أبو علي ) : وقد يكون من فعل العبد ما هو مكتسب إذا كان خيرا أو شرّا اجتلبه بغيره من الأفعال ؛ فأمّا أوّل أفعاله فلا يقال فيه أنّه مكتسب وإنّما يسمّى اكتسابا . وقد يكون في أفعاله ما لا يكون اكتسابا إذا لم يكتسب به نفعا أو ضرّا ، كحركات الطفل والنائم والساهي .
والاجتراح كالاكتساب ، ومعنى ذلك الاستفادة ، وإن كانت الاستفادة تستعمل في النفع فقط ؛ والاكتساب والاجتراح يستعملان في الضرر والنفع جميعا . وكل هذا يبيّن ، من جهة اللغة ، أنّ المكتسب لا بدّ من أن يكون فاعلا ومحدثا ؛ كما أنّ الخالق لا بدّ من كونه كذلك ؛ وإن كان كلتا الصفتين تغيّر أمرا زائدا على الحدوث ، ويدلّ على ذلك اطراد هذه اللفظة في المعنى الذي ذكرناه ، فلا شيء يجتلب بالأفعال ، ويطلب بها ، من نفع وضرّ ، إلّا ويقال إنّه كسب ؛ ويقال لما وصل به إليه إنّه اكتساب . ولذلك سمّوا الجوارح كواسب ( ق ، غ 8 ، 164 ، 18 )
- كون الفعل كسبا جهة لا تعقل ، فلا يجوز أن