بخلالهم . والناس في نشأتهم وتناسلهم معادن ؛ قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « الناس معادن : خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام ، إذا فقهوا » ( صحيح البخاري ، كتاب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، باب قوله اللّه تعالى لقد كان في يوسف وأخوته آيات للسائلين ، ح 185 ، 4 / 294 ) .
فمعنى الحسب راجع إلى الأنساب . وقد بينا أن ثمرة الأنساب وفائدتها إنّما هي العصبية للنّعرة والتناصر ، فحيث تكون العصبيّة مرهوبة ومخشيّة والمنبت فيها زكي محمي تكون فائدة النسب أوضح وثمرتها أقوى . وتعديد الأشراف من الآباء زائد في فائدتها . فيكون الحسب والشرف أصليين في أهل العصبيّة لوجود ثمرة النسب .
وتفاوت البيوت في أهل الشرف بتفاوت العصبيّة ؛ لأنّه سرّها . ولا يكون للمنفردين من أهل الأمصار بيت إلّا بالمجاز ؛ وإن توهموه فزخرف من الدعاوى . وإذا اعتبرت الحسب في أهل الأمصار ، وجدت معناه أنّ الرجل منهم يعدّ سلفا في خلال الخير ومخالطة أهله مع الركون إلى العافية ما استطاع ، وهذا مغاير لسرّ العصبيّة التي هي ثمرة النسب وتعديد الآباء ، ولكنّه يطلق عليه حسب وبيت بالمجاز ، لعلاقة ما فيه من تعديد الآباء المتعاقبين على طريقة واحدة من الخير ومسالكه ؛ وليس حسبا بالحقيقة وعلى الإطلاق ؛ وإن ثبت أنّه حقيقة فيهما بالوضع اللغوي فيكون من المشكك الذي هو في بعض مواضعه أولى . ( مقد 2 ، 491 ، 13 )
- قد يكون للبيت شرف أوّل بالعصبيّة والخلال ثم ينسلخون منه لذهابها بالحضارة كما تقدّم ، ويختلطون بالغمار ويبقى في نفوسهم وسواس ذلك الحسب يعدّون به أنفسهم من أشراف البيوتات أهل العصائب وليسوا منها في شيء ، لذهاب العصبيّة جملة . وكثير من أهل الأمصار الناشئين في بيوت العرب أو العجم لأوّل عهدهم موسوسون بذلك . وأكثر ما رسخ الوسواس في ذلك لبني إسرائيل ، فإنّه كان لهم بيت من أعظم بيوت العالم بالمنبت :
أولا لما تعدّد في سلفهم من الأنبياء والرسل من لدن إبراهيم عليه السلام إلى موسى صاحب ملّتهم وشريعتهم ؛ ثم بالعصبيّة ثانيا وما آتاهم اللّه بها من الملك الذي وعدهم به . ثمّ انسلخوا من ذلك أجمع ، وضربت عليهم الذلّة والمسكنة ، وكتب عليهم الجلاء في الأرض ، وانفردوا بالاستعباد للكفر آلافا من السنين . وما زال هذا الوسواس مصاحبا لهم فتجدهم يقولون : هذا هارونيّ ؛ هذا من نسل يوشع ؛ هذا من عقب كالب ؛ هذا من سبط يهوذا ، مع ذهاب العصبيّة ورسوخ الذلّ فيهم منذ أحقاب متطاولة . وكثير من أهل الأمصار وغيرهم المنقطعين في أنسابهم عن العصبيّة يذهب إلى هذا الهذيان .
( مقد 2 ، 492 ، 11 )
بيت المقدس
- بيت المقدس وهو المسجد الأقصى فكان