تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة مصطلحات ابن خلدون والشريف علي محمد الجرجاني — صفحة 41

مساهمون:

ص٤١
مشايخهم وكبراؤهم بما وقر في نفوس الكافّة لهم من الوقار والتّجلّة . وأمّا حللهم فإنّما يذود عنها من خارج حامية الحي من أنجادهم وفتيانهم المعروفين بالشجاعة فيهم . ولا يصدق دفاعهم وذيادهم إلّا إذا كانوا عصبية وأهل نسب واحد ؛ لأنّهم بذلك تشتدّ شوكتهم ويخشى جانبهم ؛ إذ نعرة كل أحد على نسبه وعصبيته أهم ؛ وما جعل اللّه في قلوب عباده من الشفقة والنعرة على ذوي أرحامهم وقربائهم موجودة في الطبائع البشريّة ، وبها يكون التعاضد والتناصر ، وتعظم رهبة العدو لهم . ( مقد 2 ، 483 ، 1 )

بدو وحضر

- البدو هم المقتصرون على الضروري في أحوالهم ، العاجزون عمّا فوقه ، وأن الحضر المعتنون بحاجات الترف والكمال في أحوالهم وعوائدهم . ولا شكّ أن الضروري أقدم من الحاجي والكمالي وسابق عليه ؛ لأن الضروري أصل والكمالي فرع ناشئ عنه . فالبدو أصل للمدن والحضر وسابق عليهما ؛ لأن أول مطالب الإنسان الضروري ، ولا ينتهي إلى الكمال والترف إلا إذا كان الضروري حاصلا . فخشونة البداوة قبل رقّة الحضارة . ولهذا نجد التمدّن غاية للبدوي يجري إليها ، وينتهي بسعيه إلى مقترحه منها . ( مقد 2 ، 473 ، 9 ) - مما يشهد لنا أنّ البدو أصل للحضر ومتقدّم عليه ، أنّا إذا فتشنا أهل مصر من الأمصار وجدنا أوّليّة أكثرهم من أهل البدو الذين بناحية ذلك المصر وفي قراه ، وأنّهم أيسروا فسكنوا المصر وعدلوا إلى الدعة والترف الذي في الحضر . وذلك يدلّ على أنّ أحوال الحضارة ناشئة عن أحوال البداوة وأنّها أصل لها ، فتفهمه . ( مقد 2 ، 473 ، 19 ) - إنّ أهل البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر ، وسببه أنّ النفس إذا كانت على الفطرة الأولى كانت متهيّئة لقبول ما يرد عليها وينطبع فيها من خير أو شر ؛ قال صلى اللّه عليه وسلم : « كل مولود يولد على الفطرة ؛ فأبواه يهوّدانه أو ينصرانه أو يمجسانه » ( سنن الترمذي ، كتاب القدر ، باب ما جاء كل مولود يولد على الفطرة ، ح 2138 ، 4 / 447 ) . وبقدر ما سبق إليها من أحد الخلقين تبعد عن الآخر ويصعب عليها اكتسابه : فصاحب الخير إذا سبقت إلى نفسه عوائد الخير وحصلت لها ملكته بعد عن الشرّ وصعب عليه طريقه ؛ وكذا صاحب الشرّ إذا سبقت إليه أيضا عوائده . وأهل الحضر لكثرة ما يعانون من فنون الملاذ وعوائد الترف والإقبال على الدنيا والعكوف على شهواتهم منها ، قد تلوّثت أنفسهم بكثير من مذمومات الخلق والشرّ ، وبعدت عليهم طرق الخير ومسالكه بقدر ما حصل لهم من ذلك . حتى لقد ذهبت عنهم مذاهب الحشمة في أحوالهم ؛ فتجد الكثير منهم يقذعون في أقوال الفحشاء في مجالسهم وبين كبرائهم وأهل محارمهم ، لا يصدّهم عنه وازع الحشمة ، لما أخذتهم