ناقصا من أمور العمران في البدو ؛ والثاني دفع ما يتوقّع على الملك من أمر النازعين والمشاغبين ، لأنّ المصر الذي يكون في نواحيهم ربما يكون ملجأ لمن يروم منازعتهم والخروج عليهم وانتزاع ذلك الملك الذي سمّوا إليه من أيديهم ، فيعتصم بذلك المصر ويغالبهم ، ومغالبة المصر على نهاية من الصعوبة والمشقّة ؛ والمصر يقوم مقام العساكر المتعدّدة لما فيه من الامتناع ونكاية الحرب من وراء الجدران من غير حاجة إلى كثير عدد ولا عظيم شوكة . لأنّ الشوكة والعصابة إنّما احتيج إليهما في الحرب للثبات ، لما يقع من بعد كرّة القوم بعضهم على بعض عند الجولة ، وثبات هؤلاء بالجدران ، فلا يضطرّون إلى كبير عصابة ولا عدد . فيكون حال هذا الحصن ومن يعتصم به من المنازعين مما يفتّ في عضد الأمّة التي تروم الاستيلاء ، ويخضد شوكة استيلائها .
فإذا كانت بين أحيائهم أمصار انتظموها في استيلائهم ، للأمن من مثل هذا الانخرام وإن لم يكن هناك مصر استحدثوه ضرورة لتكميل عمرانهم أوّلا وحطّ أثقالهم ، وليكون ثانيا شجا في حلق من يروم العزّة والامتناع عليهم من طوائفهم وعصائبهم .
فتعيّن أنّ الملك يدعو إلى نزول الأمصار والاستيلاء عليها . ( مقد 2 ، 845 ، 16 )
مصطنعون
- لقد يقع في الدول اضطراب في المراتب من أجل هذا الخلق ( الترفّع ) ويرتفع فيها كثير من السّفلة وينزل كثير من العليّة بسبب ذلك . وذلك أنّ الدول إذا بلغت نهايتها من التغلّب والاستيلاء انفرد منها منبت الملك بملكهم وسلطانهم ، ويئس من سواهم من ذلك ، وإنّما صاروا في مراتب دون مرتبة الملك وتحت يد السلطان وكأنّهم خول له . فإذا استمرّت الدولة وشمخ الملك تساوى حينئذ في المنزلة عند السلطان كل من انتمى إلى خدمته وتقرّب إليه بنصيحة ، واصطنعه السلطان لغنائه في كثير من مهماته . فتجد كثيرا من السوقة يسعى في التقرّب من السلطان بجدّه ونصحه ، ويتزلّف إليه بوجوه خدمته ، ويستعين على ذلك بعظيم من الخضوع والتملّق له ولحاشيته وأهل نسبه ، حتى يرسخ قدمه معهم ، وينظّمه السلطان في جملته ، فيحصل له بذلك حظ عظيم من السعادة ، وينتظم في عدد أهل الدولة .
وناشئة الدولة حينئذ من أبناء قومها الذين ذلّلوا صعابها ومهّدوا أكنافها معتزّون بما كان لآبائهم في ذلك من الآثار ، تشمخ به نفوسهم على السلطان ويعتدّون بآثاره .
ويجرون في مضمار الدالّة بسببه . فيمقتهم السلطان لذلك ويباعدهم ؛ ويميل إلى هؤلاء المصطنعين الذين لا يعتدّون بقديم ، ولا يذهبون إلى دالّة ولا ترفع ، إنّما دأبهم الخضوع له والتملّق والاعتمال في غرضه متى ذهب إليه ، فيتّسع جاههم ، وتعلو منازلهم ، وتنصرف إليهم الوجوه والخواطر ، بما يحصل لهم من قبل السلطان والمكانة عنده ؛ ويبقى ناشئة