تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة مصطلحات ابن خلدون والشريف علي محمد الجرجاني — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
أنّها في النسب الخاص أشد لقرب اللحمة . والرئاسة فيهم إنّما تكون في نصاب واحد منهم ولا تكون في الكل . ولمّا كانت الرئاسة إنّما تكون بالغلب وجب أن تكون عصبيّة ذلك النصاب أقوى من سائر العصائب ليقع الغلب بها وتتمّ الرئاسة لأهلها . فإذا وجب ذلك تعيّن أنّ الرئاسة عليهم لا تزال في ذلك النصاب المخصوص بأهل الغلب عليهم ؛ إذ لو خرجت عنهم وصارت في العصائب الأخرى النازلة عن عصابتهم في الغلب لما تمّت لهم الرئاسة . فلا تزال في ذلك النصاب متناقلة من فرع منهم إلى فرع ، ولا تنتقل إلّا إلى الأقوى من فروعه ، لما قلناه من سر الغلب . لأن الاجتماع والعصبية بمثابة المزاج في المتكوّن ؛ والمزاج في المتكون لا يصلح إذا تكافأت العناصر ؛ فلا بدّ من غلبة أحدها ، وإلّا لم يتم التكوين . فهذا هو سر اشتراط الغلب في العصبية . ومنه تعين استمرار الرئاسة في النصاب المخصوص بها كما قرّرناه . ( مقد 2 ، 488 ، 10 )

غلب وعصبية

- إذا حالت صبغة الدين وفسدت ، كيف ينتقض الأمر ويصير الغلب على نسبة العصبيّة وحدها دون زيادة الدين ؛ فيغلب الدولة من كان تحت يدها من العصائب المكافئة لها أو الزائدة القوّة عليها الذين غلبتهم بمضاعفة الدين لقوتها ولو كانوا أكثر عصبيّة منها وأشدّ بداوة . واعتبر هذا في الموحدين مع زناتة ؛ لمّا كانت زناتة أبدى من المصامدة وأشدّ توحشا ، وكان للمصامدة الدعوة الدينيّة باتباع المهدي ، فلبسوا صبغتها وتضاعفت قوّة عصبيتهم بها ، فغلبوا على زناتة أولا واستتبعوهم ، وإن كانوا من حيث العصبيّة والبداوة أشدّ منهم ؛ فلمّا خلوا عن تلك الصبغة الدينيّة انتقضت عليهم زناتة من كل جانب وغلبوهم على الأمر وانتزعوه منهم . ( مقد 2 ، 528 ، 4 )

غلط خفي في التاريخ

- من الغلط الخفي في التاريخ الذهول عن تبدّل الأحوال في الأمم والأجيال بتبدّل الأعصار ومرور الأيام ، وهو داء دويّ شديد الخفاء ، إذ لا يقع إلّا بعد أحقاب متطاولة ، فلا يكاد يتفطّن له إلا الآحاد من أهل الخليقة . وذلك أن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقرّ ، إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة وانتقال من حال إلى حال . وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار ، فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول : سنة اللّه التي قد خلت في عباده . وقد كانت في العالم أمم الفرس الأولى والسريانيون والنبط والتبابعة وبنو إسرائيل والقبط ، وكانوا على أحوال خاصة بهم في دولهم وممالكهم وسياستهم وصنائعهم ولغاتهم واصطلاحاتهم وسائر مشاركتهم مع أبناء جنسهم . وأحوال اعتمارهم